-->
404
نعتذر , لا نستطيع ايجاد الصفحة المطلوبة
  • العودة الى الصفحة الرئيسية
  • جزيرة آدم الفصل الأول

     

    جزيرة آدم

    الفصل الأول
    1- الغريقه
    كانت جزيرة الزينا ترقد ناعسه تحت السماء العميقه* واشعة الشمس الأخيره تتخلل السحب القاتمه وتنشر اللون الناري في الأفق الممتد فوق المحيط. ومن تلك المسافة البعيده كانت المداخل الشماليه للمحيط الهادي تبدو ساكنه كالحرير* الا أن هدير الأمواج* تتكسر فوق الصخور عند مدخل الخليج المائي اث
    فردت ليه وما زال لونها شاحيا وقالت:
    " لا تقلق* لن اعود لزيارتك مرة اخرى. وحالما تجف ملابسي سأتركك بسلام "
    فرد عليها في سخرية وهو يسكب الحساء في اناء وقال:
    " والى اين انت ذاهبه؟ ومن اين اتيت؟ "
    " ذاهبه الى القريه* كنت في طريقي اليها عندما دفعت بي امواج المد واجبرتني على النزول هنا...واصيبت قدمي...ورأيت ضوء الكشاف الذي كنت تحمله...وعندئذ...."
    وصاح بها في دهشه:
    " كنت ذاهبه الى الطرف الاخر من الجزيرة؟ لا افهم! هل كنتي تسبحين؟ "
    فهزت رأسها قائله:
    " استغرقت حوالي الساعتين في السباحه* كان التيار عنيفا و كنت...."
    واخذ الشك يساوره فيما تقول وصمم ان يعرف الحقيقة وقال لها:
    " هل امضيت ساعتين في الماء؟ انني لا اصدق هذا* اخبرني الحقيقة* فأنت تعلمين تماما انه لا وجد هنا اي قريه "
    فهت رأسها في حدة وبدا عليها الخوف من جديد وقالت:
    " الا توجد اي قرية هنا؟ ولكن هناك بعض القرى فعلا* رأيتها هناك ابنية وساحة كبيره بجوارها* ولا يمكن أن يكون هذا سوى فندق* وهذا ما جعلني..."
    فقاطعها ببرود قائلا:
    " انها محطة للرصد الجوي وهي قاعدة امريكيه ولا يوجد هنا اي فندق أو قريه وانت تعرفين ذلك كما اعرفه والان عليك ان تطقي بالحقيقه "
    فنظرت اليه وقد شعلات بصدمه وقالت وأصابعها ترتعد بصورة اوشكت معها أن تدلق الشاي:
    " لا يوجد اي فندق؟ ولكن لابد أن يكون هناك فندق....لا بد ان يون هناك فندق "
    واصيبت فجأة بانهيار واخذت شفتاها ترتعشان وهي تغالب دموعا. واصابتها حالة من اليأس جعلتها تتلمس أي شيء يطمئنها بأنها لم تقع فريسة لكابوس* واخذتت تتمتم قائله:
    " يا الهي! ما الذي فعلته؟ "
    واخذ حدق فيها للحظات طوال وهو منزعج ويشعر بأنه مقدم على مأساة. انها تعاني من ورطة كما انها تعاني من التعب والانهاك ولو صح انها ظلت في الماء لمدة ساعتين ـ وهو لا يستطيع أن يجد تفسيرا اخر لظهورها المفاجئ امام بيته ـ فإنه لامر غريب انها ما زالت على قد الحياة. ولابد أن تكون جاءت من ذلك اليخت. ولك كيف؟ هل سقطت عنه! كلا فهذا تفكير مضحك. ولكن لو كان ذلك قد حدث لكانت غرقة وسط الانواء. وهذا اليخت ليس لعبه فهو سفينةحديثه عابره للمحيطات ومزوده بأحدث الاجهزه ولها قاربها الخاص الذي يسر بمحرك. ومن يملك هذا اليخت لابد ان كون من طبقة الفن او احد اثرياء النفط.
    وعندما نطق رغما عنه ببعض الكلمات التي اظهرت تعاطفه معها. تحركت ونظرت اليه وتوقفت الكلمات في حلقه وماتت. وبدا كالملهوف وهو ينظر اليها بشعرها غير المنظم الذي بدأ يجف* وتلاشت صورتها من امام عينيه لتظهر مكانها صورة ستيلا التي تخيلها جالسة مكانها وذقنها يلمس احدى كتفيه وهي ترمقه بعينيها الارجوانيتين. ثم تخيلها بعد ذلك وهي تميل برأسها....كلا....انها لا تريده وهي لم تنتظره ولن تفعل ذلك ابدا اذا هو عاد يوما الى الوطن.
    وسيطرت عليه حالة من الثوره العنيفه عندما اخذت تلك الصوره الذهنيه تعذبه وتبعث فيه ميلا شديدا لكراهية النساء اللواتي يتصفن بخيانة الوعد لمجرد الرغبة في التدمير وامتلأت نفسه بغضب جامح ضد الفتاة التي اقتحمت عليه مأواه* وكيف دفعت بها الاقدار في طريقه. انها تذكره بالمرأة التي ظنها تنتظره حتى يأخذ مكانه في الحياة من جديد وتضمد جراحه بخبها....
    ونهض وتقدم خطوة واحده واخذ فنجان الشاي من يد الفتاة المرتعشه وقال لها:
    " استحلفك بالله ان تفضي الي بما فعلته؟ ولماذا جئتي الى هذا المكان؟ "
    ار انطباعا مفعما بالخطر* ارتسم على وجه الرجل الذي وقف ساكنا في شرفة اليت المطل على الخليج* وهو يغالب مشاعر الغضب المعتمله في نفسه.
    ولم يكن هناك اسم معروف لهذا البيت المكون من اربعة جدران خشبيه وسقف. وتحرك الرجل اخر الامر* وانعكس الضوء الصادر من النافذه الخلفية على المخطوطة البيضاء التي كان يحملها في يده وانحنى فوقها يعيد قراءة سطورها برغم انه حفظها على ظهر قلب* وهي سطور تتسم بالتناسق والجمال كاليد التي خطتها. وفجأة طوى المخطوطه وألقى بها فوق الناباتات المتسلقه المزينه الزهور القرمزيه الزاحفة على سفح التل كبساط يضيق به المكان.
    واشعل سيكاره بالولاعه التي اهدتها هي اليه* واخذ الشرر المتطاير من عينيه يعكس مدى عمق الاحساس بالاحباط الذي اصابه اذ حامل قارب البريد الاخير رساله لستيفنز الذي يعمل في محطة الارصاد الجويه في الجزيره مما ذكره بعلاقته مع ستيلا* فزم شفتيه بمراره وهو لا يكاد يصدق.
    اختفى قرص الشمس وبدأ الظلام يلف المحيط وصمتت أصوات الطيور مع مغيب الشمس* وعادت الجزيره الى وحدتها وعزلتها. وبدأ يألف شيئا فشيئا ليالي الوحده المقيته ويتقبلها. وفجأة لمح أضواء أحد اليخوت يخرج من المرفأ القاتم وسط تجويف صخري.
    انها راحله اذا. اطفأ سيكارته وقد تملكه شعور بالارتياح الغاضب وهو يتذكر المشهد غير السار الذي حدث صباح اليوم. كانوا سته: ثلاثة من الشباب وثلاثة يتظاهرون انهم من الشباب* وكانوا عى درجة من الغطرسه والعجرفه المستهتره مما جعله يتذكر العالم الذي جاء منه. نعم انه يتذكر ذلك تماما. ولكن أتراه يجرؤ على أن يتذكرانه هو نفسه كان يوما ضمن مجموعه من الغزاة القادمين من اليخت الابيض والباحثين عن المتعه والاثاره؟ الفارق انه كان يحمل هدفا لحياته. هدف ذو قيمه تغطي على المظهر المتباهي الذي كان يظهر به مع اقرانه وهم يرتدون القمصان الحريره التي يبلغ ثمن الواحد منها ثلاثين جنيها استرلينيا* ولكن في أي حال فإن هذا كله لم يكن ليصل الى حد الكبرياء والغرور اللذين لمسهما اليوم من اولئك القادمين الجدد.
    ولوى فمه في سخريه* اذا كان من المشكوك فيه أن ذلك الرجل الفارع القامه المفرط في التأنق والي يحمل آلة تصوير يبلغ ثمنها مائتي جنيه استرليني* يمكنه أن يمييز الحامل الذي ترتكز الاله عليه ان هو شاهده فكيف يعرف شيئا عن الزوجين النادرين من الطيور المهاجره اللذين كان يصورهما.
    كان هذا المغرور ذو الانف الارستقراطي المتعجرف بادي التحدي وهو يبحث عن ذلك الذي يعتبر نفسه حامي حمى الديار لهذين الزوجين من الطيور* بل ظن أن ستيفنز وهو يشبه اولئك البيض الذين يتسكعون في جزر المحيط الهادي* هو الذي أقام نفسه قانونا في جزيرة ألزينا.
    ولوى استيفنز فمه بسخرية مرة اخرى* وفي تلك اللحظه تماما لمح هؤلاء الاشخاص جراب مسسه وهو يرتكز على فخذيه من الخلف* انه الرادع الصامت. فهل اصبح ستيفنز نفسه فجأة على تلك الدرجة من الخطوره* جعلتهم يتراجعون ويعودون أدراجهم الى قاربهم يحتسون المشروبات المثلجه الامر الذي اثلج صدر ستيفنز الذي كان يراقبهم باهتمام من مسافة يمكنه لن يقطعها بسهولة اذا افلت زمام الامور من يده.
    خيم الظلام تماما الان* وبينما هو يتأهب لدخول البيت لمح شبح ابيض يتحرك عند الخليج فأخذ يمعن النظر محاولا أن يخترق حجب الظلام* وظن ان ما رآه من صنع خياله* واشعل سيكاره ثانيه وهو في حالة التوتر. ولمح ذلك الطيف الشاحب من جديد عند الجانب القريب من الارض التي تغطيها الشجيرات الصغيرة يتحرك* ويقترب ببطء الى اعلى في اتجاه البيت. فدخل بسرعة واحضر كشافا وقد تيقن أن شخصا ما أو شيئا ما موجود اسفل البيت.
    وشق طريقه بخطى واثقه. فقد اعتاد على المواق الصعبه* وتوقف عند حافة الخليج واخذ الكشاف الذي يحمله يحدث دوائر سريعة وسط الاشجار والنباتات. لكنه لم يعثر على شئ أو يلمح أي حركة* وكاد الصمت يفقده صوابه وصاح فجأة:
    " من هناك؟ "
    وكان صوت المد البحري المندفع نحو الخليج هو الرد الوحيد الذي تلقاه* وراح يتفقد المكان حوله* اذ لا يمكنه ان يكون مخطئا فأن شيئا ما تسلل الى هذا المكان* وفجأة سمع صيحة كالانين فالتفت نحو الصوت الذي كان صادرا عاى ما يبدو من الجانب الاخر وعبر المياه الضحله وتعثر أثناء ذلك فسقط وابتلت ملابسه. وما ان وصل حتى أطلق صيحة اخرى ينادي بها على صاحب الصوت* فرد عليه صوت يشبه صوت غلام. فاتجه نحوه وسأه عن غرضه هنا* وطلب منه ان يظهر فقال له صاحب الصوت بعدما حاول النهوض انه لا يستطيع لان قدمه مصابه. فامسك به وأحس بقشعريرة وهو يلمس جسمه* فسلط نحوه الكشاف ليتبين ملامحه* ففوجئ بأن هذا الوافد انما هي فتاة ترتدي فردة حذاء واحده! فتاة تبدو كالطفل الصغيرأو هذا هو ما تراءى له حينئذ. وراح يبحث عن شيء يحمل فيه بعض الماء ولكنه لم يجد. كما لم يكن معه غطاء للرأس يستخدمه في هذا الغرض* فسارع يملا كفيه بالماء وبلل رأسها فستردت وعيها* وتحركت وابعدت خصلات شعرها عن وجهها الذي بدى عليه القلق وقالت:
    " فقدت حذائي على الشاطئ* اما حاجياتي الاخرى فقد...."
    " لا تشغلي بالك بالتفسيرات. هل يمكنك السير؟ "
    حاولت ان تسير بمساعدة من يده ولكنها اخفقت. وبدون ان تتفوه بكلمة واحده حمله فوق ذراعيه وعبر بها الخليج في حذر نحو الشاطئ الاخر ثم اتجه الى الممر المؤدي الى منزله وعندئذ سألته:
    " الى أين نحن ذاهبان؟ هل هذ...."
    " لا أعتقد أنك في وضع يسمح لك بالاسئله "
    " كلا* ولكن...."
    وانزلها حتى يفتح الباب باحدى يديه* وادخلها الغرفة الرئيسيه وجلسها على المقعد الوحيد* واشعل الموقد بسرعة ووضع فوقه اناء ماء ثم اتجه نحو الفتاة الصغيرة المسترخيه على المقعد وسألها:
    " ما الذي بلل ملابسك؟ "
    " ماء البحر "
    ونظرت اليه في قلق وقد بدا الخوف في عينيها واضافت:
    " سبحت...."
    فقاطعها قائلا:
    " وهل تسبحين عادة وانت في كامل ملابسك؟ لا تخافي اخلعي ملابسك* وسوف احضر لك ملاءة تسترين نفسك بها "
    فتجدد خوفها ودار بصرها في ارجاء الغرفه ثم نظرت اليه قائله:
    " كيف اخلع ملابسي! كلا* لا اهمية لذلك سأصبح على ما يرام خلال دقيقة واحده "
    واخذ يتأملها ببرود وبدون أي رغبه* ولمح بقعا حمراء على كم قميصها الابيض. ونظر الى قدمها الحافيه والرسغ المصاب. وذهب فحأة الى الغرفه المجاوره واحضر منها ملاءه* ثم احضر منشفه كانت معلقه بالقرب من الموقد وقال لها:
    " هيا...اخلعي ملابسك. ولا تقلقي فلن انظر اليك. سأعد مشربا ساخنا "
    وادار ظهره وانشغل باعداد المشروب وتقطيع السمكة التي اصطادها في الصباح* وبعد أن أضاف بعضا من مسحوق الحساء الى السمكه في الوعاء احضر وعاء نظيفا ووضع فيه بعض الماء واضاف اليه كمية من مادة مطهره واتجه الى ضيفته التي اخرجت ذراعها من تحت الملاءه وسمحت له بأن ينظف الجلطه التي اصيبت بها وان يضمدها بضمادة لاصقه. وقالت له بسرعه:
    " سوف اتولى أنا بنفسي امر قدمي "
    فترك وعاء الماء الى جوارها* وقام في هدوء بعد أن اخذ كومة ملابسها المبتله* ووضعها فوق الموقد لتجف وسارع لانقاذ السمكه قبل ان تحترق* واعد قدحا من الشاي قدمه للفتاة بعدما اضاف اليه القليل من الشراب وقال لها:
    " هيا اشربيه كله* فأنت تبدين كالشبح "
    واخذ يراقبها وعندما رأها تتردد في اكمال شرب الشاي بعدما رشفت منه بضع رشفات قال لها:
    " اشربي لكن لا اريد أن تحضري الى هنا مرة اخرى "
    الفصل الثاني
    ثلاثة اشهر فقط!
    أخذت آهة مرتعشة تسري في اوصال الفتاة بينما الدفء يعود الى شفتيها المرتعدتين المتعبتين بعدما رشفت قدح الشاي، ولكن هذا لم يشعرها بالرحة الكاملة لانها، وان كانت تعتقد ان كابوس البحر انقضى، بدأت الان تواجه كابوسا اخر.
    دفعها السكون المخيم داخل المنزل المعتم الى التزام المزيد من الحذر، وتملكتها انطباعات مضطربة وهي تتفقد الغرف ة حيث مجلس، فهي مبنية من جذوع الشجر، موائدها عارية من اية أغطية، وارضها تكسوها السجاجيد البالية، وليس فيها سوى مصباح مكشوف، لايكاد يصل ضوؤه الى اركان الغرف الغارقة في الظلال .
    انها غرفة فسيحة، لكنها تختلف عن اي غرفة اخرى في اي مسكن عرفته في حياتها، فالجدران والارضية من الخشب الطبيعي، والموقد لونه رمادي وغير جميل، والنافذتان عاريتان من اي ستائر، وتحت احداهما مكتب كبير تكونت فوقه مجموعة من المجلدات الضخمة، وبعض الدوريات العلمية وزوج من نظارات الميدان واكوام من الاشياء الاخرى التي تستخدم في العمل والدراسة.
    لكن الغرفة ومافيها تضاءلت امام القوة الطاغية للرجل الذي اجتذب انتباهها، طوله ستة اقدام على الاقل، وجسمه متناسق، وقسمات وجهه حادة وفمه ينم عن حس بدني كامن قد يتطلق من عقاله في لحظات الانفعال العاطفي، ولكنه يبدو الان مشدودا ومتوترا وليست فيه اي ملامح وديه، وذقنه حادة وله شعر كثيف فاحم ، وجبهة عريضة وبشرة برونزيه تشير الى انه امضى فترة طويلة من الزمن في العراء تحت اشعة الشمس. وترك ازرار قميصه مفتوحة حتى الوسط في اهمال واضح.
    وفجأة احست بعينيه تأسران عينيها، ولكنها كانتا تشتعلان بإحساس صارم بالامتعاض والتبرم، مما جعلها تتجمد خوفا. ووضع قدح الشاي على المائدة بعنف بجوار الطعام الذي لم يكن يبدو انه سوف يؤكل....
    وهمست له قائلة:
    " اسمي روبينا واين ولكن اصدقائي ، يطلقون علي اسم روبين وانا....."
    فقاطعها في برود وقال لها بصوت غير ودي وبتعبير كله اشمئزاز:
    " واين هم اصدقاؤك الان؟ وكم هو العدد الذي اتوقع قدومه الى هنا اثر انتهائهم من ممارسة رياضة السباحة بعد منتصف الليل!"
    فردت عليه في برود:
    " ليس لي اصدقاء."
    فقال لها وهو لايكاد يصدق:
    " ماذا ليس لك اصدقاء؟"
    وبددت نظرة التشكيك في عينيه ماتبقى لها من قدرة على المجادلة واطرقت برأسها وهي تقول:"
    "ليس لي الان اصدقاء، ولا اعتقد انه سبق ان كان لي اصدقاء..."
    فحدق فيها لحظة، واقترب حاجباه من بعضهما البعض ثم نظر الى المائدة وسألها:
    " الن تتناولي طعامك؟"
    "لا اعتقد انني استطيع تناول شيء من الطعام الان."
    فهز كتفيه قائلا:
    "هل يضايقك ان اتناول انا الطعام؟"
    " طبعا لا، آسفة لانني عطلتك عن تناول عشائك.."
    فاخذ مقعدا وجلس الى المائدة المصنوعة من البلاستيك وامسك بسكين ثم وضعها على المائدة مرة اخرى وراح يرمقها ، فنظرت اليه وقالت له:
    "تناول طعامك، فما كان يجب ان اكون هنا، ولولا اصابة رسخي ، كنت الان في محطة الرصد الجوي او في اي مكان آخر."
    فرد عليها بجفاف قائلا:" كانو سيرغبون بك في هذه المحطة بكل تأكيد."
    وقالت لنفسها لي مرارة:" كانوا سيستقبونها بأفضل من استقباله لها، واحست باحمرار وجهها وهو يرمقها بنظرة حادة، وقال لها بجفاف وكأنه قرأ افكارها:" إن كان استقبالهم لك سيلقي استحسانك اكثر من استقبالي ، فهذه مسألة اخرى."
    ولم تكن هناك صعوبة في فهم ما يعينه ، فلزمت الصمت ، واخذت نظراتها تدور في ارجاء المكان حيث يعيش هذا الرجل الغريب، واحست لاول مرة يحب الاستطلاع نحو منقذها. فما الذي يفعله في تلك الجظيرة المنعزلة التي تبدو من المعالم القليلة التي رأتها وكأنها جزيرة مفقودة في ارجاء الكون العريض؟ عجرفته وثقته بنفسه تتحدثان عن شيء ، كان يجب عليها ان تدركه في الحال الا انها لم تستطع اكتشافه.
    ونظرت مرة اخرى الى المنظار الموضوع على الكتب والى رفوف الكتب ، ولاحظت على المائدة الصغيرة منظار لرؤية الشرائح المصورة وشيء آخر بدا شاقا وسط تلك الاشياء وقال لها وهو يتابع اتجاه نظرها:" الا يحسن بك ان تبداي في تناول الطعام وان تروي لي القصة من بدايتها."
    فحولت بصرها عن دفتر المقطوعات الموسيقية والتمثال النصفي العاجي لشخصية اعتقدت انها كان يجب ان تعرفها. ووضعت طبق الطعام فوق ركبتيها. وبعد ان تناولت شيئا منه قالت له في بطء:" ليس لدي الكثير اقوله ، وكل ما هناك انني اطضررت الى ترك ذلك اليخت."
    "لماذا؟"
    ردت عليه في ضجر:
    " اشك في انك سوف تفهم ما اقول."
    قدم لها كعكة مغطاه بالزبدة، وسكب مزيدا من الشاي في قدحها وقال لها:" لانني لست امرأة.؟ استمري في تناول طعامك؟ فالخبز لذيذ؟ لديهم في محطة الرصد الجوي طاه يزودني بالكعك والبسكويت، واقوم انا باعداد باقي الطعام... اعتقد ان هناك رجلا وراء ماحدث.
    " ومالذي يجعلك تفكر هكذا؟"
    اخذت قضمة من الكعكة وفوجئت بانها فعلا لذيذة، وادركت انه يجب عليها الان ان تفكر فيما يجب ان تفعله بعد فرارها من اليخت، ورد عليها قائلا:
    " لانه عندما تقوم المرأة بتصرف طائش كالفرار من قارب والسباحة ليلا الى الشاطئ، يمكن المراهنة ان هناك رجلا وراء ذلك."
    " نعم كان هناك رجل، وارجو الا اراه مرة اخرى في حياتي."
    " اهو مالك اليخت؟"
    " نعم ، انه المالك، وهو يمتلك اسطولا من السفن التجارية ، وجيشا من الارقاء، انه في الستين من عمره تقريبا، وهو انيق يبدو كملاك ، ولكن له قلب شيطان ، وقد اعتقد انه يمتلكني."
    " ومالذي جعلك تغيرين رأيك؟"
    فرمقته بنظرة حادة وقالت:
    " لم اغير رأيي، ماذا تقصد؟"
    ابتسم ابتسامة ساخرة وقال لها:
    " لابد انك صعدت الى اليخت بمحض ارادتك . فرجل غني كالذي اشرت اليه يمكنه ان يشتري عددا غير محدود من النساء لارضاء نزواته."
    " كنت اعمل لديه، ولم يكن امامي مجال كبير للخيار."
    ولاحظت تعبير الامتعاض الذي بدا للحظة على وجهه فأضافت بسرعة:
    " اقام حفلا على ظهر اليخت، حضره حوالي ثلاثين شخصا، وكان اخوه وزوجه اخيه بين المدعوين ومعها ابتنها،التي كان عمرها اذ ذاك احدى عشر سنه وكنت رفيقتها وخادمتها في آن واحد"
    "انها لتدبر طريقه رومنطيقية للسفر حلو العالم والحصول على اجرة اكملي قصتك.."
    "سيرينا ليست طفلة سيئة،افسدها التذليل طبعا،وكانت مهمتي الترقية عنها والابتعاد عن الحياة الفاسده.."
    "اعتقد ان مهمتك كانت منعها من مشاهدة اشياء يجب ال
    تشاهدها!"
    قلب روبين فمها في مرارة وهي تتذكر ما حدث،وضافت قائلة:
    "لم اتبين ذلك الا في الليلة التالية لابحار اليخت،عندما اقيم حفل تنكري انتهى بلعبة تعرى فيها المدعرون من ملابسهم، ولا ادري ما الذي جعلهم يقحمونني في تلك اللعبة، وكان الشيء الذي دهشت له سيرينا واصابها بصدمه هو انني لم اكن اعرف مسبقا بما سيجري فوق هذا اليخت، وكان فزعي مما يجري مثار متعة لها ولكنني لم اصدقها عندما حذرتني يوما ما، رغم انها طفلة، ان اتجنب عمها، الا انني سرعان ما تبينت السبب، وقد كان تجنبه امرا مستحيلا، وبدأت انام في غرفة سيرينا الى ان وصلنا الى باناما ومرضت واظلمت الدنيا في وجهي ولم اعد اكترث بالحياة والموت. وعندما بدأت استرد عافيتي لم يكن هذا الضرب من الحياة يسعدني، لان المعاناة ستبدأ من جديد، واخذت احاول اتجنب كالترغ دأب على ملاحقتي فهو تارة يبتسم لي وتارة يراقبني ومرة ثالثه ينتظرني، وهو في هذا وذاك لا ينتهي ولا يتراجع ومنذ ليلتين قرر انه انتظر بما فيه الكفاية، ادركت عندئذ انه من الضروري ان اغادر السفينة مهما كانت العواقب، كانت معه نسخ من المفاتيح لجميع غرف اليحت.."
    وتوقفت عن الكلام وهي تشعر بقلبها يسرع في دقاته بينما اخذت تحكي قصة الكابوس الذي فاجأها تلك الليلة، واحست بالخجل الشديد لانها تورطت في تلك الادلاء
    بتلك الاعترافات، ونظرت الى اعلى في حيم قال لها الرجل الجالس الى المائدة بهدوء:
    "وهل استخدم المفتاح؟"
    "دفعته داخل الحمام، ولا اظن انه كان يعتقد اني ساقاومه، وتحررت منه لاختبئ في غرفة سيرينا التي لم اغادرها طوال اليوم التالي، وكنت اعلم اننا سنبحر الى هذه الجزيرة
    بسبب مافيها من طيور، انها مشهورة، اليس كذلك؟ وقررت ان اتسلل من اليخت وانزل الى الشاطئ واختبئ الى ان يرحل اليخت مرة اخرى عن الجزيرة. ولكن كالنرغ على ما اعتقد، توقع ذلك فلم تتح لي اي فرصة لتفيذ 
    ماعقدت العزم عليه، فانتظرت الى المساء، وقبل العشاء ابلغت الجميع بأنني اعاني من صداع حاد وانني ساذهب لتناول اقراصا منومه، وعندما سمعتهم يدخلون قاعة الطعام، اسرعت لاخذ جواز سفري وقليلا من النقود وبعض الملابس وحزمتها داخل قماش مشمع واق من الماء، واثناء ذلك حضر احد الحراس في عملية تفقدية وتمكنت من اخفاء تلك الاشياء بسرعه قبل ان يراها، وتظاهرت بانني اغير ملابسي استعدادا للنوم، ثم قفزت من فوق اليخت وبدات اسبح وكلي امل الا يلمحني احد، وعندما وصلت الى الشاطئ كان الظلام مخيفا، ومكثت هناك الى ان شاهدت اليخت يبحر مع موجات المد كما كان مقررا، وما حدث بعد ذلك تعرفه.
    وظل صامتا لفترة طويلة جعلتها تتساءل اذا كان قد انصت اليها وهي تروي قصتها، ثم قال في برود:
    :" اخترت بلا شك بقعة تفرين اليها، فماذا انت فاعلة الان؟"
    "لم افكر في هذا بعد، وكل ما كان يشغلني هو الفرار من ذلك اليخت اللعين، ثم مواصلة طريقي الى فانكوفر او سان فرانسيسكو او حتى هولولود، وكنت سألود بأي قارب يصل اولا ، السنا بالقرب من الطرق الملاحية الكبرى؟"
    ابلغها انها تبعد كثيرا عن مجموعة جزر هاواي، قالت له ان لديها من المال ما يكفي لسفرها الى الولايات المتحدة ، وهناك يمكنها ان تعمل لتغطية نفقات عودتها الى الوطن ، فهي تعرف فتاة تدعى سارة استطاعت ان تعمل وتوفر لنفسها نفقات طوافها حول العالم. فوقف واخرج علبة سكائرها ابتلت وطلبت منه في رجاء ان يعطيها بعض السكائر لتدخين، ثم قال لها انه سيعد لها سريرا لتمضي الليلة فيه، فاعتدرت له عن البقاء هناك وقالت له ان ملابسها جفت الان، وانها تركت حاجياتها على الشاطئ. فرد عليها بأنها تستطيع ان تبيت في غرفته مالم تكن تفضل المبيت على الشاطئ الى جوار حاجياتها ، وقال لها انه لا داعي لان تقلق فلا يوجد سوى مفتاح واحد لهذا الكوخ، وانه يرحب بها فيه وسوف يبيت هو نفسه على سرير للرحلات ينصب داخل غرفة تحميض الافلام.
    وتركها وعاد اليها بعد لحظات ليسالها عن حالة قدمها فقالت له انها لن تعرف قبل ان تختبرها ، ونهضت وخطت بحذر وهي تخشى من سقوط الملاءة التي تسترهما اكثر من خوفها من ان تؤلمها قدمها. فشجعها على مواصلة السير واحاطها بذراعه ليساعدها بدون ان تستشعر منه اية عاطفة، وقادها الى الغرفة وقال لها انه يأسف لعدم وجود زر للكهرباء فوق السرير، وطلب منها الا تسقط المصباح الذي اعده فقالت له انها ستحرص على الا تشتعل له حريقا في البيت.
    واخذت تنظر في حب استطلاع الى الغرفة التي تشبه صومعه راهب ، وكل ما فيها يوحي بالتقشف: السرير والصندوق الذي وضع فوقه مصباح الزيت، والكرسي الوحيد عدا ان الستائر او السجاجيد معدومة وقال لها:
    " لديك هنا بطانية صوفية اضافية ان احتجت اليها، الا ان الليل هنا ليس باردا، وانما انت تشعرين الان بالبرد بسبب فترة السباحة الطويلة والارهاق وسوف اتركك الان اذا لم تكوني في حاجة الى شيء اخر."
    وتردد قليلا ثم اشار الى السرير قائلا:
    " وضعت لك بعض الملابس لترتديها، وهي قد تكون واسعة قليلا، ولكن يس من حق الفارين ان يختاروا."
    فنظرت الى البيجاما الموضوعة فوق الوسادة وقالت له:
    " اشعر بانني لاجئة ولست هاوية، ابديت عطفا شديدا نحوي، ولا اعرف كيف اشكرك."
    "لاتحاولي ، فأنا لست عطوفا، ولم يكن امامي من خيار اخر."
    فقالت له وقد استبد بها شعور شديد بالملل:
    " اسفة لما سببته لك من ازعاج ياسيد..."
    ونظرت اليه في تساؤل وهي تدرك لاول مرة انها لا تعرف اسمه فقال لها :" آدم غرانت."
    ثم اتجه الى باب الغرفة واضاف? تصبحين على خير يا روبينا واين."
    "بل روبين ، تصبح على خير واشكرك."
    الفصل الثالث
    وغلق الباب بهدوء، وراحت تسائل نفسها عما يكون عليه الوقت الان لقد توقفت ساعتها ولا توجد ساعة حائط معلقه في البيت، ولكن ما اهمية ذلك؟"
    ووقفت امام النافذه تراقب النجوم والغابات الممتدة تحت السماء التي اختفى منها القمر، واحضرت مرآة من صندوق الملابس لتنظر الى ملامحها المتوترة ووجهها الخالي من الاصباغ وشعرها غير المنسق واحست بأن شعرها لن يعود الى سابق عهده ماذا ليس لديها مشط لكي تصففه، كما ان الملابس التي لديها سوى فردة حذاء واحدة وستكون محظوظة ان هي عثرت في الصباح على حاجياتها التي تركتها على الشاطئ، والتي تضم جواز سفرها وبعض النقود والملابس كانت تعتزم ارتداءها عندما تصل الى الشاطئ. وتساءلت اذا كانت ستجد حاجياتها كما هي بدون ان يكون الشريط اللاصق الذي لفت به القماش المشمع قد انفك، ما الذي دفعها الى تلك الحماقة؟ لا بد انها اصيبت بجنون.
    واحست بحاجة الى النوم اذا سرعان ما يأتي الصباح ولابد وان تجد معه وسيلة للخروج من ورطتها ، وامسكت بالبيجاما التي قدمها لها، فوجدتها جديدة تماما ومصنوعة من قماش ناعم من الحرير الخالص، وصممت ببراءة ممايشير الى انها صنعت على يد احد مصممي الازياء المشهورين، وبسطت البيجاما فوجدت بداخلها بطاقة محل الغسل والكي ، وقد تبت على البيجاما شريط يشير الى ان صانعها خياط من شارع بوند ، وعندئذ اخذت تجول ببصرها في ارجاء في ارجاء غرفة صاحب تلك البيجاما.
    وتخلصت فجأة من الاحاسيس المتضاربة والمحيرة التي احست بها نحو آدم غرانت فيما جدوى ان يعيش هناك كالناسك تقريبا، في بيت بدائي فوق جزيرة مفقودةويمتلك بيجاما فاخرة ذات تصميم عالمي وتصلح لان تلبس في المساء في فندق هيلتون لكنها بعد ان اطفأت مصباح الزيت واستلقت على السرير شعرت انه مريح وسيطر آدم غرانت بملامحه البرونزيه الحادة على تفكيرها ولم تستطع التخلص من الاحساس بأنها رأته في مكان ما من قبل، رغم انها تدرك انها لا يمكن ان تكون قد قابلته، ونسيت اين ومتى!
    وعندما غليها النعاس رأت في منامها انها ما زالت فوق اليخت، وان كل من فيه غادره، واثناء بحثها عن سبرينا داهمت اليخت عاصفة وبدأ يغرقولا احد يستجيب لصراخها ، وفجأة هدأت العاصفة وحملها آدم غرانت الى برالامان واستسلمت لذراعيه شاكره، وبعد ذلك ظهر امامها وجه كارلنغ الشيطاني وهو يحاول انتزاعها ، واستيقطت من نومها وهي تصرخ وتحاول انقاذ نفسها من بين يديه.
    ونظرت الى شجيرة المشمش القريبة من النافذه ، واخذت تحملق في جدران الغرفة الخشبية وهي تتطلع الى ما يطمئنها ويهدئ من روعها ، وادركت انها كانت تعاني من كابوس مزعج ودق غرانت الباب مستأذناً في الدخول ليقدم اليها الشاي ، وفوجئت بأنه احضر لها أيضاً حاجياتها عن الشاطئ ، وأحست بحرج نحو هذا الرجل الذي قال لها انه عثر أيضاً على فردة حذائها الأخرى . واستأذنها في الذهاب لضخ الماء في الخزان وتغذية المولد الكهربائي بالبترول و قال لها انه لن يغيب كثيراً وسألته :
    " وقيل أن تذهب ، أود أن أعرف ما اذا كان هناك حمام ؟"
    " انني آسف لأنه كان يجب أن أرشدك الى مكانه في الليلة الماضية ، انه في خارج المنزل وله سقف أبيض ، وكوني على حذر في استعماله حتى لا يغرقك ."
    وابتسم وتركها وهي تشكره ثم قفزت من السرير لتتفقد أشياءها فوجدت ملابسها قد ابتلت ، ماعدا النقود وجواز السفر .
    وأخذت ملابسها الجافة وذهبت تأخذ حماماً ، وأدركت ان نصيحة غرانت لها بأن تلزم الحذر كانت في موضعها ، لأنها أخذت تدير العجلة التي تتحكم بالماء ببطء وحذر الى أن امتلأ الحوض الذي كان منعشاً وفي حالة جيدة و صافية .
    وجففت جسمها وشعرها بمنشفة وجدتها معلقة في متناول يدها ، وثبتت شعرها بمشابك الشعرالقليلة المتبقية معها . ان عليها اعداد قائمة بالأشياء الكثيرة التي تحتاجها عندما تتاح لها الظروف لاعادة تنظيم حياتها ، انها تستشيط غضباً عندما تتذكر الأشياء التي تركتها وراءها في اليخت ، ولكن لم يكن أمامها من سبيل آخر كان الموقف بالغ الخطورة حتى بدون أن تحاول حمل الأشياء الصغيرة التي ربطتها حول وسطها قبل ان تسبح الى الشاطئ ولم يكن في استطاعتها شراء السكائر .وان كان مجال الاختيار أمامها محدوداً.
    وعادت الى المنزل ، تسرع بترتيب الفراش ، ووضعت قليلاً من احمر الشفاه وهندمت نفسها ، ثم توجهت في تردد نحو الباب الرئيسي وهي لا تدري أن أدم غرانت موجود في الداخل ، ودفعت الباب ببطء فانفتح ، ونظرت الى داخل الغرفة وسمعته يقول لها :
    "حسناً يمكنك الدخول ."
    ورأته يقطع بعض شرائح اللحم المقلاة . فتساءلت بينها و بين نفسها عن مفاجأة طعام الافطار التي تنتظرها ، وسألته اذا كان في امكانها ان تساعده . فطلب منها اعداد المائدة و قال لها انها ستجد كل شيء في الخزانة . ولاحظت المعلبات الكثيرة المصطوفة فوق الرفوف فقالت له :
    " اعددت العدة لنفسك كاملة تماماً كأنك مقدم على فترة حصار ."
    "لابد من أن اتخذ الاحتياطات اللازمة ، هل تفضلين القهوة ؟"
    وأشعل الموقد لتقوم هي نفسها باعداد القهوة ، ولاحظت أنه استطاع ان ينظم حياته في نطاق التسهيلات التي لم تكن فقط محدودة جداً ، وانما بدائية جداً وعلى نحو لا يطيقه الا اولئك الرحالة الذين اعتادوا العيش في الخيام ، واستمعت اليه بدون تعقيب وهو يقول لها انه يحصل من محطة الرصد الجوي على أطعمة سريعة التلف وهم يحفظونها في ثلاجة ضخمة ، ولكنها لم تدرك الا بعد مضي فترة مغزى وجود قدور البن و الشاي الصغيرة التي لديه وصفائح المواد المنظفة و الصفائح الكبيرة التي تحوي السكر و السلع الجافة الأخرى
    وبمضي الوقت بدأت عملية اعداد طعام الافطار تتحسن ، وبدأت تعتاد الاحساس بضبط النفس الذي مازال قويآ بينها وبين الرجل الذي هبّ لانقاذها ليلة امس ، وطلبت منه سيكارة فأعطاها علبة سكائره كلها فشكرته وقالت له وهي تبتسم :
    " أ‘رف انني ضيفتك غير المدعوة ، ولككني اطمح في مزيد من كرمك ، واطلب منك ان تمد فترة اقامتي في بيتك لمدة ساعة اخرى او نحو ذلك ."
    فرفع حاجبيه وظل صامتآ ، فأضافت قائلة :
    " أريد أن أغسل ملابسي و أصفف شعري ، ألا يوجد لديك اي نوع من وسائل غسل الشعر ؟"
    فرد عليها بجفاف :
    "كلا ، لا يوجد لدي شيء من هذا القبيل ، ولكنك تستطيعين استخدام أي شيء موجود في البيت ."
    وعندئذ بدأ اطمئنانها يتذبذب ، ولكنها حاولت أن تحتفظ برباطة جأشها ، وقالت له :
    " انك تراني الآن في أسوأ مظهر لي ، ولكنني فعلت مالم يفعله أحد من قبل ."
    فنهض قائلا:
    " علي أن أخرج الآن ، وسوف تتاح لك ساعة تقريباً تعودين خلالها إلى أحسن مظهر ."
    وأخذ المنظار وشيء آخر من درج المكتب . وطلب منها ألا تستهلك كل مياه الخزان والا فسوف يتحتم عليها أن تقوم بتشغيل المضخة لملء الخزان من جديد ، وركب سيارة جيب وانطلق بها من خلف المسكن ، وراحت روبين تبحث اجابة لعدة أسئلة جالت في خاطرها . فكم من الزمن أمضى آدم غرانت في هذا الكوخ الصغير الذي يعتمد فيه على مضخة لتزويده بامدادات المياه ، ولا توجد فيه أي وسائل للراحة بتاتاً؟ بل مالذي يفعله هنا ؟ هل هو أحد علماء الطيور ؟ أن جزيرة الزينا هذه فيها الطيور النادرة التي اتخذت أعشاشها لأول مرة بدون ان يتمكن احد من تغيير سبب او كيفية مجيئها الى هنا . سمعت الآخرين يتحدثون عنها . الا أنها لم تعر ذلك التفاتاً ، وتمنت الآن لو أنها اهتمت بتلك المسألة ، فالمنظار له علاقة بهذا على مايبدو.. ثم تذكرت ماحدث بعد ظهر امس عندما عاد ريمون مارش وزمرته الصغيرة من الغزوة التي قاموا بها على الشاطئ وهم في غضب شديد وقع حادث ما، واستطاع رجل قوي جرئ ان يطردهم من الجزيرة . وبدأت الاحداث تفسر بعضها البعض في ذاكرتها لتفسر لها الملاحظة الساخرة التي بداها غرانت مساء امس عندما سألها عن مكان اصدقائها لابد ان يكون آدم هوذلك الرجل القوي!
    وابتسمت روبين في ابتهاج فتوهج وجهها بالضياء، وتمنت لو انها رأت ذلك المشهد لتلمس التعبيرات التي ارتسمت على وجه ريمون وزمرته من المتملقين الاذلاء، وتملكتها فجأة رغبة جارفة في ان تبلغ آدم غرانت الي اي مدى ارتفع في نظره... وذلك برغم انه يميل الى النظر اليها كواحدة من افراد تلك المجموعة الفوغانية.
    وقامت روبين باعداد حبل لنشر ملابسها بعدما غسلتها بالسائل المنظف الذي استعاره منه، وسرعان ما جفت بفعل الهواء الدافئ المشمس، وقامت بتنظيف مكان تناول الافطار وتنظيم غرفة الجلوس لتصبح في مثل بهاء الغرف القائمة على سطح اليخت.
    ودارت في ارجاء المكان وهي تقاوم الاغراء بالعبث في صفحات اكوام المذكرات والكراسات الموجودة فوق المكتب، ثم امسكت بمذكرة موضوعة فوق كومة من الاوراق الموسيقية ووجدت بين الصفحات ورقه منفصلة يبدو أنها جزء من موسيقى أوركسترالية عليها ملاحظات وعلامة استفهام مكتوبة بالقلم الرصاص في هامش المقدمة . وتساءلت اذا كان من هواة الموسيقى ، الا انه لم يكن لديه اي مسجل لسماع الموسيقى أو أي شيء يشبه أية آلة موسيقية ، وتركتها لتنظر الى التمثال النصفي العاجي الذي ظنت أول الأمر أنه أحد كبار المؤلفين الموسيقيين ، ولكنها عندما تفقدته عن قرب لم تجده يشبه أحدآ ممن تعيهم بذاكرتها . انه لا يشبه أي شخص مشهور . وهو ان كان يشبه إنسانآ فهو آدم غرانت ، شعره كثيف غير مجعد كالتمثال العاجي بملامحه المثالية التي تشبه تماثيل الاغريق .
    وهزت رأسها وراحت تفكر أنه لابد أن يكون هناك شخص آخر يقيم هنا لكي يتبادل مع زميله مراقبة وتسجيل أنواع الطيور التي تفد إلى هذا المكان وعلى أي حال فليس هذا من شأنها ، وهي لابد أن تبدأ في الرحيل من هنا حالما تعيد ترتيب حياتها . والشيء الواضح أمامها الآن هو أنها لم تكن راضية اطلاقآ عن أناس مثل كارلنغ و ريمون مارش أو من يشبههما ممن كانوا يقدمون الاعانات بلا اكتراث ... انها لاتريد اعانة من احد .
    وذهبت لجمع ملابسها الجافة . ونظرت الى نفسها تنتظر جفاف ملابسها لتغير الملابس التي ترتديها وأشفقت على نفسها وانهمرت دموعها وهي تتمنى أن تغمض عينيها وتفتحهما من جديد لترى أن ستة أشهر من حياتها قد محيت ، وأصبحت كأنها لم تكن .
    وسمعت صوت سيارة تتوقف وينزل منها رجل ، ولكنه لم يكن آدم غرانت وانما كان شاباآ أزرق العينين أخذ ينظر الى هيئتها الجذابة في دهشة و ابتهاج ، وقال لها :
    "اذآ فأنت هنا ... لم أصدق عندما علمت بهذا!"
    وتقدم خطوة الى الأمام ومد يده ليصافحها وهو يقول لها :
    "أنا توني ستيفنز ، هل ما أراه حقيقي هل أنت أنسان حقيقي ! سوف أغادر هذا المكان وأختفي ان لم تمدي يدك لمصافحتي ".
    فاتجهت اليه وصافحته وقد لاحظت احمرار خديه وسألته :
    " هل تعمل في هذا المكان ! السيد غرانت سيعود في أي لحظة ."
    " كلا ، أعمل في محطة الرصد الجوي في وسط الجزيرة ، وعليّ أن أعود وأرد على تلك الرسالة ..."
    وأخذ ينظر اليها في دهشة ويحدق فيها بنظرة تحمل تعبيرآ كريهآ اعتادت عليه روبين خلال الأشهر القليلة الماضية .
    وسألته في حدة :
    "أية رسالة تقصد ؟"
    "رسالة تقول انك هنا ، تسببت في حدوث هياج شديد ... أعتقد أنك روبينا ... الآنسة واين .... ابنة ..."
    فامتقع لونها وتوترت ملامحها فأضاف بسرعة :
    "أنا شديد الأسف ، ألا أكون لبقآ معك ، أبلغتك فقط بما جاء في الرسالة وآسف جدآ لما سببته لك من ازعاج ."
    ولم تكترث روبين بما سببته لها عدم لباقته من ايذاء ، كان صبيآ لايزيد عمره عن عشرين عامآ . وسألأته مرة أخرى :
    " أية رسالة تقصد ! لابد ان خطأ ما قد وقع ، لا أعرف أحدآ يمكنه أن يبعث لي برسالة ."
    وقبل أ، يبدأ في الشرح أحست بغصة في صدرها وهي تتوجس خيفة من الأمر ، وقال لها :
    " تلقينا رسالة باللاسلكي من السيد كارلنغ انهم قلقون جدآ عليك ، ولا يعرفون كيف تخلفت عن اليخت ، أو ما اذا كنت موجودة في الجزيرة أم لا ، اكتشفوا صباح اليوم غيابك عن اليخت ، لابد أن أعود الآن."
    وأسرع بالقفز في سيارة الجيب الصفراء ، وانطلق بها بدون أن يتمكن من سماع صياحها وهي تطلب منه التوقف . وترجوه ألا يبلغ اليخت بأنها موجودة هنا .
    فهي لا تريد العودة إلى اليخت . واختفى بسرعة وسط أشجار الغابة وقد أدركت أنه لاجدوى من اللحاق به . وهدأت نفسها وبدأت تفكر فيما يجب عليها أن تفعله الآن . جيرالد كارلنغ سيتشيط غضبآ ويشعر بأن كبرياءه جرحت لأنها هربت منه ، وتخيلت ماسوف ينزل بها من عقاب بعد أن يحضر كارلنغ ويستلمها بابتسامته الساخرة ليعيدها الى اليخت . وربما لا يفعل هذا بل يتركها تهيم على وجهها في الجزيرة . انها تأمل ألا يفعل ، ولكن ترك الأمر للأقدار فيه مخاطرة هائلة وتمنت لو أنها تمكنت من أيقاف توني ستيفنز قبل أن ينطلق بسيارته . ورأـ عندئذ سيارة جيب تبرز من وسط الأشجار وتتجه الى البيت .
    وتنهدت بارتياح وهي تقول لنفسها أن الفرصة لم تفت بعد ، وأن آدم غرانت سوف ينقلها الى المحطة لتشرح لهم الموقف ، وتطلب منهم إلغاء الرد على الرسالة والقول بأنه حدث خطأ أو شيء من هذا القبيل . وسألها آدم غرانت :
    " مالذي يزعجك ؟"
    " أرجو أن تأخذني إلى محطة الرصد حتى ...."
    فقال لها وهو يمسك بكتفيها :
    "اهدأي وقولي لي ماذا حدث . انك مضطربة ."
    فردت عليه وهي تلتقط أنفاسها :
    "لابد أنك قابلت سيارته في الطريق ."
    ولم ترفع عينيها عن وجهه ، وكان مازال ممسكاآ بكتفيها وهي تحاول أن تقنعه بأن الأمر عاجل ، وقالت له :
    " أرجوك أن تفهم ، أن الأمر سيستغرق وقتآ طويلآ لأشرح لك السبب ، ولكنني لا أرغب بالعودة ، وقد بعثوا برسالة لاسلكية الى محطة الأرصاد لكي ..."
    "ولكن ألا تدرين ، أيتها الحمقاء الصغيرة ، أنه يجب عليك ابلاغهم بأنك في أمان ، أم أنك تعبأين بهذا ؟ واذا لم تعودي اليهم فالى أين تذهبين ؟ انك لا تستطيعين البقاء هنا ."
    " لا أريد البقاء هنا ، وليست لي رغبة في هذا ، ولكنني لن أعود الى هذا اليخت ، ولا يهمني الى أين أذهب أو أين أقيم مادمت بعيدة بقدر المستطاع عن جيرالد كارلنغ ."
    وتخلصت من قبضة يديه وهي تبدي استياءها وقالت :
    " أنك لا تعبأ ، كما أن أحدآ لا يهتم ..."
    وأمسك بذراعها وهو يقول :
    حسنآ ، فهمت قصدك ، وان كنت لا أعرف القصة كلها الا أنني فهمت جوهر الموضوع ستبقين هنا ."
    "ولكنني ..."
    "سوف أعالج الأمر ، أعدي لنفسك شرابآ والزمي الهدوء ، ولن أغيب طويلآ ."
    ووقفت ترقب السيارة التي استقلها آدم غرانت الى أن اختفت وهي تعد الدقائق التي كانت تمر كأنها ساعات . ثم دلفت الى الداخل تعد لنفسها شرابآ ، أخذت تحتسيه بأصابع مرتعشة وهي تسأل نفسها ، كيف يمكنها ان تجعل رجلآ غريبآ يفهم مدى خوفها من جيرالد كارلنغ ومن بحثه عنها ، وما كان سيترتب على ذلك من نتائج اذا هي لم تهرب من يخته الذي تحول الى سجن . ووسط مشاعر القلق التي استبدت بها عاد آدم غرانت .
    وكان وجهه متجهمآ و قلقآ وقال لها ان اليخت الكيرون يقف على مسافة عشرة أميال من الجزيرة ، وأنه وصل الى المحطة بينما كان ستيفنز يرسل بالرد على الرسالة .
    فسألته وهي تلتقط أنفاسها :
    "وماذا حدث ، أكمل ."
    "تحدثت الى كارلنغ ."
    "ماذا قال لك ؟ وماذا قلت له ؟"
    فنظر إليها آدم و قال :
    " القصة التي رواها لي تختلف عن القصة التي رويتها لي ليلة أمس ، ولكنني أدركت أنك سببت له قدرآ كبيرآ من القلق و الضيق ... انني في دهشة ... هل أنت الطفلة الصغيرة التي أشفق عليها ؟ طفلة روبيرت واين الممول الذي انتحر منذ ستة أشهر ."
    فاسترخت في مقعدها وأخذت تنظر في تجهم و قالت :
    " نعم ، انك تفضل أن تصدق رجلآ آخر ، أليس كذلك ؟ ولكن أبي لم يتخلص من حياته ، كان حادثآ عرضيآ ، فقد تناول أقراصآ منومة بعد تناوله الشراب وأدى ذلك الى وفاته ، وأياك أن تقول هذا عن أبي مرة أخرى ."
    قالت ذلك وهي تصيح في وجهه بتحد وأضافت :
    " وبالنسبة اليّ كنت مدللة ، ولكنني لم أكن متهورة الى حدّ البحث عن رجل مثل كارلنغ ."
    "كان صديقآ لأبيك ، فلماذا يسعى اذآ لاغوائك ؟"
    "لم يكن صديقآ لأبي ."
    " بل يقول انه كان كذلك ، ولذلك اعتقد أن قيامك برحلة بحرية سيخرجك من جو المأساة الذي تعيشين فيه . والعمل الذي اسنده اليك لمرافقة سبرينا كان مجرد وسيلة لأرضاء كبريائك ، وقال أيضآ انه قدم لك هدايا عديدة ثمينة من المجوهرات ."
    "هذا غير صحيح ، أراد فعلآ أن يقدم لي مجوهرات ، وقد تحليت بقطعة منها في احدى المرات ، ولكنني تركت كل شيء على ظهر اليخت ، كانت هناك صلة عمل تربطة بأبي ، وعن طريق تلك الصلة حصلت على هذا العمل الذي كنت في أشد الحاجة إليه ."
    "لم تصادفك بالتأكيد أية صعوبات في الحصول على عمل ، فقد حصلت كما أعتقد على قدر من التعليم ."
    "هذا ما ظننته في البداية ، ولكن الحياة العملية تتطلب تخصصات لم أكن مؤهلة لها ."
    "أليس هناك أحد من أسرتك على قيد الحياة ؟"
    "ماتت أ/ي ، وليس لي سوى أخت ، أقمت معها ، وهي متزوجة منذ سنتين الا أن زواجها يتداعى ، ولم أستطع تحمل المشاجرات بين الزوجين اللذين أخذ كل منهما يشكو لي الآخر ، مما جعلني أكاد أجن ، فكان التحاقي بهذا العمل على اليخ

    محمد الطيب مدون عربي من السودان عمري هو22 سنة ،هدفي اثراء المحتوى العربي ونشر جديد الروايات والوصل اليها مجانا،خريج هندسة برمجيات ونظم / جامعة الجزيرة

    الكاتب : alwafia desinger

    ليست هناك تعليقات:

    جميع الحقوق محفوظة ل الف حكاية سودانية