-->
قصص رومانسية

تعديل

404
نعتذر , لا نستطيع ايجاد الصفحة المطلوبة
  • العودة الى الصفحة الرئيسية
  • ‏إظهار الرسائل ذات التسميات روايات اجاثا كرستي. إظهار كافة الرسائل
    ‏إظهار الرسائل ذات التسميات روايات اجاثا كرستي. إظهار كافة الرسائل


     أجاثا كريستي

    مزحة غريبة

    قالت جين هيلر وهي تكمل تعريف ضيوفها ببعضهم البعض: وهذه هي الآنسة ماربل!

    وكونها ممثلة فقد كانت تستطيع أن تعطي كلامها المعنى الذي تريد وكان واضحا أن عبارتها تلك كانت قمة التشويق أو الخاتمة الرائعة! كانت نبرة صوتها مزيجا من الرهبة والاحترام والزهو في آن واحد.

    كان الغريب في الأمر أن من تم تقديمها للضيوف بكل هذا الفخر لم تكن الا عجوزا رقيقة يبدو عليها الميل للقيل والقال ولذلك ظهر عدم التصديق وشئ من خيبة الأمل في عيون الشاب والفتاة اللذين سعت جين لتعريفهما بها. كانا شابين جميلين: الفتاة (وتدعى تشارميان ستراود) نحيلة سمراء, والرجل (ويدعى ادوارد روسيتر) أشقر الشعر لطيف وعملاق.

    قالت تشارميان وهي تلهث قليلا: آه! اننا مسروران جدا بلقائك.

    ولكن الشك كان باديا في عينيها. نظرت الى جين هيلر نظرة تساؤل سريعة فقالت جين ردا على نظرتها: "انها رائعة تماما يا عزيزتي... اتركي كل شئ لها. لقد أخبرتك أنني سأحضرها الى هنا وقد فعلت". ثم أضافت تخاطب الآنسة ماربل: ستحلين المشكلة لهما أعرف ذلك. سيكون ذلك سهلا عليك.

    نقلت الآنسة ماربل عينيها الهادئتين عميقتي الزرقة صوب السيد روسيتر وقالت: ألن تخبرني عن طبيعة الأمر كله؟

    تدخلت تشارميان بنفاد صبر قائلة: ان جين صديقة لنا. أنا وادوارد وقعنا في ورطة. وقد طلبت جين منا أن نحضر حفلتها حتى تقدمنا لشخص يمكن... من شأنه...

    أسرع ادوارد لنجدتها: أخبرتنا جين بأنك صاحبة القول الفصل في أمور التحري يا آنسة ماربل!

    طرفت عينا السيدة العجوز ولكنها عارضت بتواضع: آه, لا, لا! لست كذلك. كل ما في الأمر أن من يعيش في قرية مثلي يعرف الكثير عن الطبيعة البشرية. ولكنكما زدتما فضولي حقا. أرجو أن تحدثاني عن مشكلتكما.

    قال ادوارد: أخشى أن يكون تعبيري مكرورا مبتذلا... انها مجرد كنز مدفون.

    - أحقا؟ ولكن هذا يبدو مثيرا جدا!

    - أعرف, مثل حكاية "جزيرة الكنز". ولكن مشكلتنا تفتقر الى اللماسات الرومنسية المعتادة؛ فلا توجد علامة على خريطة ولا رموز الجمجمة والعظمتين المتقاطعتين ولا تعليمات كتلك التي تقول: "أربع خطوات الى اليسار ثم الشمال الغربي..." انها قضية عادية لا اثارة فيها وملخصها هو أين يجب أن نحفر

    - هل حاولتم الحفر؟

    - لقد حفرنا مساحة تقدر بنحو فدانين مربعين كاملين حتى لقد أصبحت الأرض جاهزة لتكون حديقة انتاجية... غير أننا نناقش فقط هل نزرعها بالكوسا أم بالبطاطا!

    قالت تشارميان فجأة: أيمكننا أن نخبرك كل شئ عن هذا الأمر؟

    - بالطبع يا عزيزتي.

    - اذن, هيا نبحث عن مكان هادئ. هيا يا ادوارد.

    تقدمت خارجة من الغرفة الصغيرة المكتظة العابقة بروائح الدخان وصعدوا جميعا الدرج الى الطابق العلوي ثم دخلوا غرفة جلوس صغيرة هناك.

    وعندما جلسوا بدأت تشارميان حديثها على الفور: حسنا, هاك الحكاية! الحكاية تبدأ بالعم ماثيو... أو بالأحرى العم البعيد, البعيد... لنا نحن الاثنين. كان عجوزا بلغ من العمر أرذله وكنت أنا وادوارد قريبيه الوحيدين. وكان يحبنا كثيرا وقد أخبرنا دائما أنه سيترك عند موته كل ثروته لنا نحن الاثنين مناصفة. وقد مات في شهر آذار الماضي وترك كل شئ كان يملكه لنقتسمه أنا وادوارد مناصفة. ان ما قلته توا قد يبدو كلاما قاسيا ولكنني لا أقصد هنا أن موته كان أمرا مفيدا؛ فقد كنا نحبه كثيرا في الواقع. ولكنه كان مريضا منذ فترة طويلة. المهم أن "كل شئ" الذي تركه لنا ظهر أنه لا شئ أبدا وكانت هذه -بصراحة- صدمة موجعة لنا نحن الاثنين, أليس كذلك يا ادوارد؟

    وافقها ادوارد الودود قائلا: لقد اعتمدنا قليلا على هذا الأمر. أقصد أن المرء عندما يعلم أن ثروة كبيرة في طريقها اليه فانه لا يبذل مجهودا كبيرا لجمع ثروة بنفسه. أنا في الجيش ولا أملك شيئا يذكر سوى راتبي كما أن تشارميان نفسها لا تملك شيئا انها تعمل كمديرة مسرح وهو عمل ممتع تماما وهي مستمتعة به ولكنه لا يحقق عوائد تذكر. كنا نعقد آمالا على موضوع زواجنا لكننا لم نقلق بخصوص المال لأننا كنا نعرف أننا سنصبح أغنياء تماما يوما ما.

    قالت تشارميان: وكما ترين فنحن لسنا كذلك! والأنكى من هذا أن "أنستيز" (وهو بيت العالة الذي أحببناه أنا وادوارد) ربما تعين عرضه للبيع ونحن نشعر أننا لا يمكن أن نطيق هذا الأمر ولكن اذا لم نجد أموال العم ماثيو فسوف نضطر الى بيعه.

    قال ادوارد: ما زلنا بعيدين عن النقطة الحيوية يا تشارميان.

    - حسنا, تكلم أنت اذن.

    التفت ادوارد الى الآنسة ماربل وقال: الأمر هكذا. فمع تقدم العم ماثيو بالعمر أخذ يزداد ارتيابا ولم يعد يثق بأحد.

    قالت الآنسة ماربل: انه سلوك حكيم جدا من جانبه؛ فالطبيعة البشرية فاسدة الى حد لا يمكن تصديقه.

    - ربما تكونين على حق. على أية حال كان العم ماثيو يعتقد بذلك. كان له صديق فقد أمواله في أحد البنوك وصديق آخر دمر حياته محام فار من وجه العدالة كما أنه هو نفسه قد خسر أموالا في شركة وهمية. وقد بلغ به هذا الأمر حدا جعله يقول دائما ان التصرف الوحيد الآمن والمعقول هو أن يحول المرء أمواله الى سبائك ذهبية ويدفنها.

    قالت الآنسة ماربل: آه, بدأت أفهم.

    - نعم. لقد ناقشه أصدقاء له في هذا مشيرين الى أنه لن يحصل على فوائد بهذه الطريقة ولكنه كان يرى أن هذا الأمر غير مهم. وقد قال ان ثروة المرء "يجب أن تحفظ في صندوق تحت السرير أو تدفن في الحديقة". كانت هذه كلماته.

    أكملت تشارميان الحديث قائلة: وعندما توفي لم يترك أي سندات مالية أبدا رغم أنه كان غنيا جدا. ولذلك نعتقد أن ذلك هو ما فعله دون شك.

    أوضح ادوارد: لقد كشفنا أنه باع سندات مالية وسحب مبالغ ضخمة من وقت لآخر دون أن يدري أحد ماذا فعل بها. ولكن يبدو ممكنا أنه طبق خطته فاشترى ذهبا ودفنه.

    - ألم يقل شيئا قبل أن يموت؟ ألم يترك ورقة أو رسالة؟

    - هذا هو الأمر الذي يثير الجنون... لم يترك شيئا! لقد فقد وعيه بضعة أيام لكنه أفاق قبل أن يموت وقد نظر الينا نحن الاثنين وضحك... ضحكة ضعيفة باهتة, ثم قال: "ستكونان على ما يرام أيها الغزالان الجميلان". ثم أغمض عينيه (بل عينه اليمنى, وغمزنا) ثم مات. مسكين العم ماثيو.

    قالت الآنسة ماربل متأملة: أغمض عينه.

    قال ادوارد متلهفا: هل يدلك هذا على شئ؟ لقد جعلني هذا أفكر في قصة أرسين لوبين حيث كان شئ مخبأ في عين زجاجية لأحد الرجال. لكن العم ماثيو لم تكن له عين زجاجية.

    هزت الآنسة ماربل رأسها حيرة وقالت: لا, لا أستطيع التفكير بأي شئ في هذه اللحظة.

    قالت تشارميان بشئ من خيبة الأمل: أخبرتنا جين أنك ستخبريننا فورا عن المكان الذي ينبغي علينا أن نحفر فيه!

    ابتسمت الآنسة ماربل وقالت: أنا لست بالساحرة, ولم أعرف عمك أو أي نوع من الرجال كان كما أنني لا أعرف البيت أو الأراضي المحيطة به.

    قالت تشارميان: واذا عرفتهما؟

    - حسنا, لا بد أن الأمر سيكون بسيطا للغاية, أليس كذلك؟

    - بسيطا! تعالي الى البيت وانظري ان كان بسيطا!

    ربما لم تكن تشارميان تقصد بعبارتها تلك دعوة الآنسة ماربل جديا, الا أن الأخيرة سارعت على القول: حسنا, هذا كرم كبير حقا من طرفك يا عزيزتي. لقد أحببت دائما أن تتاح لي فرصة للبحث عن كنز مدفون.

    ثم أضافت وهي تنظر اليهما مبتسمة: وباهتمام دافعه الحب أيضا!

    * * *

    قالت تشارميان وهي تشير بيدها بطريقة درامية: أترين!

    كانوا قد اختتموا جولة كبيرة في البيت وما حوله فقد تمشوا في حديقة المطبخ التي حفرت في كل جزء منها كما ساروا خلال الغابات الصغيرة حيث حفر حول كل شجرة ونظروا بحزن الى السطح الملئ بالحفر للمرجة العشبية التي كانت يوما مستوية رائعة. ثم صعدوا الى العلية حيث بعثرت محتويات الصناديق والخزائن الموجودة فيها وأفرغت من محتوياتها ونزلوا الى السراديب حيث تم اقتلاع الأحجار من مكانها وقاموا بقياس الجدران والضرب عليها وشاهدت الآنسة ماربل كل قطعة أثاث أثرية احتوت أو يشك في أنها تحتوي على درج سري.

    كان على طاولة في غرفة الطعام كومة من الأوراق... جميع الأوراق التي تركها الراحل ماثيو ستراود. لم يتم اتلاف أي ورقة منها, وقد اعتادت تشارميان وادوارد الرجوع اليها مرة تلو الأخرى يمعنان النظر في الفواتير والدعوات ومراسلات العمل على أمل أن يعثروا على دليل لم يلحظاه حتى اليوم.

    سألتها تشارميان بشئ من الأمل: هل يمكنك التفكير في أي مكان لم نبحث نحن فيه؟

    هزت الآنسة ماربل رأسها بالنفي وقالت: يبدو أنكما تعمقتما تماما في البحث... بل ربما كان تعمقكما هذا أكثر قليلا من المطلوب. أنا أرى دوما أن على المرء أن يضع خطة وهذا يشبه ما حدث مع صديقتي السيدة ايلدريتش فقد كانت لديها خادمة صغيرة لطيفة تلمع أرضية البيت بكل حرص ولكنها كانت من الحرص بحيث بالغت في تلميع أرضية الحمام وبينما كانت السيدة ايلدريتش تخرج من الحمام انزلقت الممسحة من تحت قدميها فوقعت على الأرض وقعة شديدة وكسرت ساقها! وكانت تلك مشكلة فظيعة للغاية لأن باب الحمام كان مقفلا وقد توجب على البستاني أن يحضر سلما ويدخل من خلال النافذة لانقاذها.

    تململ ادوارد فسارعت الآنسة ماربل للقول: أرجو أن تسامحني. أعرف أنني أنحرف دوما عن موضوع الحديث ولكن الشئ بالشئ يذكر وهذا ما يكون مفيدا أحيانا. كل ما أحاول قوله أننا لو حاولنا أن نشحذ عقولنا ونفكر في مكان محتمل...

    قال ادوارد غاضبا: أنت فكري لنا في مكان يا آنسة ماربل؛ فعقلي وعقل تشارميان أصبحا الآن فارغين!

    - أيها المسكينان. انه أمر متعب جدا لكما بالطبع. اذا لم تمانعا فانني أود القاء نظرة على هذه...

    وأشارت الى الأوراق على الطاولة وقالت: هذا ان لم يكن فيها أوراق خاصة؛ فلا أريد الظهور بمظهر المتطفلة.

    - آه, لا بأس. لكن أخشى ألا تجدي شيئا.

    جلست قرب الطاولة وبدأت تعمل في كومة الأوراق وعندما كانت تنتهي من كل واحدة كانت تفرزها -آليا- في مجموعات صغيرة مرتبة. وعندما انتهت من عملها جلست تحدق أمامها بضع دقائق.

    سألها ادوارد بنبرة لا تخلو من خبث: حسنا يا آنسة ماربل؟

    فوجئت الآنسة ماربل (وكأنها كانت شاردة بعيدا) وقالت: أرجو المعذرة, لم أسمع ما قلته.

    - هل وجدت شيئا ذا صلة بالأمر؟

    - آه لا, لا شئ من هذا. ولكنني أعتقد -حقا- أنني أعرف أي نوع من الرجال كان عمك. انه مثل عمي هنري؛ كان مولعا بالمزاح. واضح أنه كان أعزب... لا أدري سبب ذلك ربما كان بسبب خيبة أمل مبكرة؟ وهو منهجي الى حد معين ولكنه لا يحب الارتباط. ان كثيرا من العزاب على هذا الشكل!

    قامت تشارميان باشارة لادوارد من وراء ظهر الآنسة ماربل مفادها أن هذه المرأة معتوهة.

    كانت الآنسة ماربل مستمرة في الحديث عن عمها الراحل هنري بسعادة: كان مولعا جدا بالغمزفي كلامه وهذا الغمز مزعج جدا لبعض الناس... ان من شأن التلاعب بالألفاظ أن يثير الغضب الشديد. كما كان رجلا شكاكا أيضا وكان مقتنعا دائما بأن الخدم كانوا يسرقونه. صحيح أنهم كانوا يسرقونه أحيانا ولكن ليس دائما. وقد تفاقم ذلك عند الرجل المسكين حتى بات -في النهاية- يرتاب في عبثهم بطعامه فأخذ يرفض أكل شئ سوى البيض المسلوقة (بحجة أن أحدا لا يمكنه العبث بداخل البيضة المسلوقة)! لقد كان العم العزيز هنري ذا روح مرحة في وقت من الأوقات وكان يحب تناول القهوة بعد العشاء ويطلب المزيد منها دائما.

    أحس ادوارد بأنه سيصاب بالجنون لو سمع المزيد عن العم هنري, ولكن الآنسة ماربل تابعت قائلة: كما أنه كان مولعا بالشباب والصغار ولكنه كان يميل الى اغاظتهم قليلا فكان يضع علب الحلوى في مكان لا يمكن للطفل أن يصله.

    ألقت تشارميان بالأدب جانبا وقالت: أظنه يبدو فظيعا!

    - آه, لا ياعزيزتي؛ كان مجرد أعزب عجوز ولم يكن معتادا على الأطفال. ولم يكن بالغبي أبدا في الواقع. كان يحتفظ بمبلغ كبير من المال وقد ركب خزانة حديدية في البيت وظل يردد -طوال الوقت- مزاياها وما توفره من أمان. ونتيجة لحديثه الكثير عنها اقتحم اللصوص بيته ذات ليلة وفتحوا ثغرة في الخزنة باستخدام أداة كيميائية.

    قال ادوارد: ووقع في جزاء عمله.

    قالت الآنسة ماربل: آه, ولكن لم يكن في الخزنة شئ. كان يحتفظ بنقوده في مكان آخر... وراء بعض مجلدات المواعظ في المكتبة وكان يقول ان الناس لا يأخذون كتابا من هذا النوع من مكانه!

    قاطعها ادوارد بانفعال: هذه فكرة جديدة. ماذا عن المكتبة؟

    لكن تشارميان هزت رأسها بازدراء وقالت: أتظنني لم أفكر بهذا؟ لقد فتشت جميع الكتب يوم الثلاثاء الماضي عندما ذهبت أنت الى بورتسماوث. أخرجت جميع الكتب ونفضتها ولم أعثر على شئ.

    تنهد ادوارد, ثم نهض وحاول -بلباقة- تخليص نفسه من ضيفتهما المخيبة للآمال قائلا: جميل منك أن تأتي الى هنا وتحاولي مساعدتنا. نحن نأسف لاخفاقنا. أشعر أننا بددنا الكثير من وقتك... سأخرج السيارة لايصالك بحيث تلحقين بقطار الثالثة والنصف.

    - آه, ولكن يجب أن نعثر على النقود أليس كذلك؟ يجب ألا تستسلم لليأس يا سيد روسيتر. اذ لم تنجح من أول مرة فحاول, ثم حاول, ثم حاول.

    - هل تقصدين أنك ستواصلين... ستواصلين المحاولة؟

    - بالضبط. أنا لم أبدأ بعد, وكما تقول السيدة بيتون في كتابها عن الطهي: "أمسك أولا أرنبك...", وهو كتاب رائع ولكنه باهظ الثمن وتبدأ معظم وصفات الطعام بعبارة: "خذي ربع غالون من القشدة وعشر بيضات". ماذا كنت أقول؟ آه, نعم؛ علينا أن نمسك بأرنبنا. وقد أمسكنا أرنبنا اذا صح التعبير والأرنب هنا عمك ماثيو بالطبع وما علينا الا أن نقرر الآن أين كان من شأنه أن يخبئ الأموال. يجب أن يكون هذا بسيطا جدا.

    سألتها تشارميان: بسيطا؟

    - نعم يا عزيزتي. أنا واثقة أن من شأنه أن يفعل الشئ الواضح... أظنه وضع المال في درج سري.

    قال ادوارد بجفاء: لا يمكنك أن تضعي سبائك ذهبية في درج سري.

    - نعم, بالطبع. ولكن لا يوجد سبب للاعتقاد بأن المال يأخذ شكل سبائك ذهبية.

    - لقد كان دائما يقول...

    - وهذا ما كان يقوله عمي هنري عن خزنته! ولذلك أشك كثيرا في أن كلامه لم يكن سوى ستار للتضليل. ان أحجار الألماس يمكن وضعها في درج سري بسهولة تامة.

    - ولكننا فتشنا كل الأدراج السرية. لقد أحضرنا نجارا لفحص الأثاث.

    - أحقا يا عزيزتي؟ هذا ذكاء منك. أرى أن طاولة المكتب الخاصة التي كان عمك يستخدمها هي المكان الأرجح. أكان مكتبه ذلك المكتب المقابل للحائط هناك؟

    - نعم, وسوف أريك.

    ذهبت تشارميان الى المكتب وفتحت مصراع المنضدة. كان في الداخل رفوف صغيرة مربعة وأدراج صغيرة وفتحت بابا صغيرا في الوسط ولمست لولبا داخل الدرج الأيسر. أصدر الدرج الأوسط صوتا وانزلق الى الأمام فأخرجته تشارميان كاشفة عن حجيرة صغيرة تحته وكانت فارغة.

    صاحت الآنسة ماربل: أليست هذه مصادفة غريبة؟ كان للعم هنري مكتب مثله الا أنه كان من خشب الجوز أما هذا فمن خشب الماهوغاني الأحمر.

    قالت تشارميان: على أية حال ليس فيه شئ كما ترين.

    - أظن أن النجار الذي أحضرتماه كان شابا ولم يكن يعرف كل شئ. كان الناس بارعين جدا عندما يصنعون مخابئ سرية في تلك الأيام وكان ما يسمى السر داخل السر.

    أخرجت دبوسا من كومة شعرها الرمادي المرتب فأدخلته في مكان بدا ثقبا صغيرا لحشرة في أحد جوانب الدرج السري وببعض الصعوبة أخرجت منه درجا صغيرا. وكان بداخله حزمة من الرسائل باهتة اللون وورقة مطوية.

    انقض ادوارد وتشارميان على هذا الاكتشاف معا. ففتح ادوارد الورقة بأصابع مرتجفة ثم رماها وهو يصيح مغتاظا: تبا! انها وصفة لتحضير وجبة طعام... لحم مشوي!

    حلت تشارميان الخيط الذي كان يربط الرسائل وأخرجت واحدة منها فنظرت اليها قائلة: انها رسائل غرامية!

    هتفت الآنسة ماربل بحماسة فكتورية: هذا مثير جدا! ربما كان هذا هو سبب عدم زواج عمك أبدا.

    قرأت تشارميان بصوت مرتفع:

    عزيزي الغالي ماثيو,
    لابد أن أعترف بأن الوقت قد طال على استلام آخر رسالة منك. انني أحاول أن أشغل نفسي بالمهام العديدة الموكلة الي وغالبا ما أقول لنفسي انني محظوظة جدا لمشاهدتي كثيرا من بلاد العالم رغم أنني لم أحسب عندما ذهبت الى أمريكا أنني سأسافر الى هذه الجزيرة البعيدة!

    سكتت تشارميان ثم قالت: من أين هذه الرسالة؟ آه! من هاواي! ثم أكملت:

    للأسف, فان السكان المحليين أبعد ما يكونون عن المدنية. انهم بدائيون ويقضون معظمهم وقتهم في السباحة والرقص ويزينون أنفسهم بأكاليل الزهور. وقد نجح السيد غراي في تنصير بعض السكان ولكنه عمل شاق وقد ثبطت عزيمته وعزيمة زوجته. انني أحاول بذل جهدي لتشجيعه وادخال السرور الى نفسه لكنني -أنا الأخرى- حزينة لسبب تعرفه يا عزيزي ماثيو. للأسف فان الغياب محنة قاسية على القلب المحب. ان قسمك الذي تجدده كل مرة وتأكيداتك على حبك لي تفرحني كثيرا. أنت تملك الآن والى الأبد قلبي المحب والمخلص يا عزيزي ماثيو. وسأبقى دائما... حبك الحقيقي, بيتي مارتن.

    ملاحظة: أرسل رسائلي لك على عنوان صديقتنا المشتركة ماتيلدا غريفس كالعادة. أرجو أن يسامحني الله على حيلتي الصغيرة هذه.

    صفر ادوارد قائلا: امرأة تعمل في البعثات التبشيرية! كانت تلك -اذن- هي قصة حب العم ماثيو. ترى لماذا لم يتزوجا؟

    قالت تشارميان وهي تتفحص الرسائل: يبدو أنها سافرت الى جميع أنحاء العالم... جزر موريشيوس... جمع الأماكن. ربما ماتت من الحمى الصفراء أو مرض مثله.

    جفل الاثنان بسبب ضحكة خفيفة أطلقتها الآنسة ماربل وقد بدا عليها الفرح. قالت:حسنا, حسنا,هذاغريب!

    كانت تقرأ وصفة تحضير اللحم المشوي, وعندما رأت نظراتهما المتسائلة قرأت بصوت مرتفع:

    لحم مشوي مع السبانخ. تؤخذ قطعة من لحم الفخذ تفرك بالثوم وتغطى بالسكر الأحمر ثم توضع على نار خفيفة في الفرن. ثم تقدم محاطة بالسبانخ المهروس.

    ماذا تريان في هذه؟

    قال ادوارد: أراها أكلة مقززة.

    -لا, من شأنها أن تكون أكلة رائعة. ولكن ما رأيكما بالأمر كله؟

    أضاء وجه ادوارد فجأة وقال: أتظنينها شفيرة ما... أو رسالة سرية؟

    أمسك بها وقال: انظري يا تشارميان قد تكون كذلك بالفعل! والا لما كان من داع لوضع وصفة طعام في درج سري.

    قالت الآنسة ماربل: بالضبط؛ هذه نقطة مهمة جدا.

    قالت تشارميان: أعرف ما يمكن أن تكون... حبرا سريا! دعنا نسخنها, أشعل المدفأة الكهربائية.

    فعل ادوارد ما قالته, ولكن لم تظهر أية اشارات على وجود كتابة سرية.

    تنحنحت الآنسة ماربل وقالت: أظن أنكما تصعبان الأمر قليلا. ان وصفة الطعام مجرد مؤشر فقط. أعتقد أن الرسائل هي الأمر المهم.

    - الرسائل؟

    - وخصوصا التوقيع.

    لكن ادوارد لم يكد يسمعها, اذ صاح دهشا: تشارميان, تعالي هنا! انها على حق. انظري... المغلفات قديمة بالفعل ولكن الرسائل نفسها كتبت حديثا.

    قالت الآنسة ماربل: بالضبط.

    - لقد زيفت بحيث تبدو قديمة. أراهن أن العم ماثيو هو الذي زورها بنفسه...

    قالت الآنسة ماربل: بالضبط.

    - الأمر كله خدعة. لم تكن هناك امرأة تعمل في التبشير. لا بد أنها شفيرة.

    - يا ولدي العزيزين... لاحاجة لجعل الأمر صعبا للغاية. كان عمكما رجلا بسيطا تماما وكان يريد أن يمزح كعادته وهذا كل ما في الأمر.

    لأول مرة اصغيا اليها اصغاء كاملا. سألتها تشارميان: ماذا تقصدين بالضبط يا آنسة ماربل؟

    - أقصد أنك تمسكين بالمال بيدك في هذه اللحظة بالفعل.

    حدقت تشارميان الى الرسالة.

    - التوقيع يا عزيزتي... انه يكشف كل شئ. وصفة الطعام مجرد مؤشر. اذا جردنا كلماتها من الثوم والسكر الأحمر وبقية هذه الأشياء فماذا تكون عمليا؟ سيبقى فخذ اللحم والسبانخ بالتأكيد. فخذ اللحم والسبانخ. والمعنى: هراء! ولذلك فالواضح أن الرسائل هي المهمة. ثم فكرا بما فعله عمكما قبل موته بوقت قصير. لقد غمز بعينه كما قلتما. حسنا, هذا يعطيكما المفتاح.

    قالت تشارميان: هل أنت مجنونة أم نحن المجانين؟

    - لابد أنك سمعت -يا عزيزتي- العبارة التي تقول: "ليس كل ما يلمع ذهبا". لقد كان القدماء يقولون اذا ما رأوا فتاة جميلة: "عيني على بيتي مارتن".

    شهق ادوارد وعيناه تنظران الى الرسالة التي يمسك بها بيده وقال: بيتي مارتن...

    - بالطبع يا سيد روسيتر. كما قلت لتوك: لم توجد أبدا واحدة بهذا الاسم. عمك هو الذي كتب الرسائل كما أظن أنه استمتع كثيرا بكتابتها! وكما قلت فان الكتابة على المغلفات تبدو مكتوبة قبل الرسائل نفسها بوقت طويل... وفي الواقع هذه المغلفات لا تخص الرسائل التي فيها لأن خاتم البريد على المغلف الذي بيدك يحمل تاريخ ألف وثمانمئة وواحد وخمسين.

    سكتت, ثم شددت على كلماتها: عام ألف وثمانمئة وواحد وخمسين. وهذا يوضح كل شئ, أليس كذلك؟

    قال ادوارد: ليس بالنسبة لي.

    - بالطبع, أظن أنه ما كان سيتضح لي أيضا لولا ليونيل, ابن بنت اختي. كان ولدا صغيرا يهوى جمع الطوابع ويعرف كل شئ عن طوابع البريد. وهو الذي أخبرني عن الطوابع النادرة والثمينة وأن طابعا اكتشف حديثا سيعرض في المزاد. وأذكر أنه ذكر لي طابعا معينا... صدر عام ألف وثمانمئة وواحد وخمسين... طابع أزرق من فئة سنتين. وقد بيع بمبلغ يصل الى نحو خمسة وعشرين ألف دولار حسب ظني. تخيل! وأظن أن الطوابع الأخرى نادرة وثمينة. لا شك أن عمكما قد اشترى هذه الطوابع من أناس يتعاملون بها وكان حريصا على "تغطية خدعه" كما يقال.

    زأر ادوارد وجلس واضعا وجهه بين يديه, فسألته تشارميان: ماذا في الأمر؟

    - لا شئ. لقد راودتني فقط الفكرة بأننا -لولا الآنسة ماربل- كنا سنحرق هذه الرسائل بكل أدب وفاء لذكرى العجوز!

    قالت الآنسة ماربل: هذا ما لا يدركه هؤلاء المسنون الذين يحبون المزاح. أذكر أن العم هنري أرسل ورقة نقدية بمبلغ خمسة جنيهات لابنة أخ له يحبها هدية في عيد الميلاد. وقد وضعها بين ورقتي بطاقة المعايدة وألصق الورقتين وكتب عليها: "مع حبي وأطيب أمنياتي. أخشى أن يكون هذا كل ما يمكنني عمله لك هذا العام". وقد تضايقت الفتاة المسكينة مما ظنته بخلا منه فألقت البطاقة مباشرة في النار. ثم كان عليه أن يعطيها غيرها بالطبع.

    تغيرت مشاعر ادوارد نحو العم هنري تغيرا تماما وقال: آنسة ماربل, سأقيم لك مأدبة عامرة على شرف عمك الراحل هنري .



     أجاثا كريستي

    عش الزنابير

    خرج جون هاريسن من المنزل ووقف على المصطبة الأمامية بعض الوقت ينظر الى الحديقة أمامه. كان رجلا ضخما ذا وجه نحيل شديد الشحوب. كانت سيماه عادة تميل الى الجهامة ولكن عندما ترق القسمات المتغضنة -كما هو الآن- فتصبح ابتسامة يصبح فيه شئ ما شديد الجاذبية.

    لقد أحب جون هاريسن حديقته ولم يسبق لها أن بدت أفضل مما تبدو عليه هذا المساء الصيفي من شهر آب باعثة على الاسترخاء. لم تزل الورود المعترشة جميلة والبازلاء الحلوة تملأ الجو بعبقها.

    صوت صرير مألوف تماما جعل هاريسن يدير رأسه بحدة. من هو القادم من بوابة الحديقة؟ بعد دقيقة على وجهه تعبير الدهشة التامة لأن هيئة الرجل المهندم القادم عبر ممر الحديقة كانت آخر ما يتوقع رؤيته في هذا المكان من العالم.

    صرخ هاريسن: هذا والله عجيب, السيد بوارو!

    وكان حقا هيركيول بوارو الشهير الذي طبقت شهرته الآفاق.

    - نعم. لقد قلت لي يوما: "ان وجدت نفسك يوما في هذا الجزء من العالم فتعال لزيارتي", وقد أخذت بجريرة كلمتك وجئت.

    أجاب هاريسن بحماسة: وأنا ممتن لذلك اجلس واشرب شيئا.

    وأشار الى طاولة على الشرفة فقال بوارو وهو يغرق في كرسي شبكي القاعدة: "أشكرك لا أظن أن لديك عصير فواكه محلى؟ كلا, لا أظن ذلك. قليل من ماء الصودا اذن, لا مشروبات كحولية". ثم أضاف بصوت حساس معبر بينما كان هاريسن يضع له كأس الصودا بجانبه: خسارة.. شاربان متهدلان! والسبب هو هذا الحر.

    سأله هاريسن وهو يجلس على كرسي آخر: وما الذي جاء بك الى هذه البقعة الهادئة؟ المتعة؟

    - كلا يا صديقي, بل العمل.

    - العمل؟ في هذا المكان النائي؟

    هز بوارو رأسه بالايجاب وهو متجهم الوجه ثم قال: نعم يا صديقي, فليست كل الجرائم ترتكب بين الحشود الغفيرة كما تعلم.

    ضحك الآخر وقال: أظنها كانت ملاحظة بلهاء من طرفي. ولكن ما هي الجريمة المحددة التي تحقق فيها هنا, أم أن ذلك شئ يجب أن لا أسأل عنه؟

    - تستطيع أن تسأل, والحقيقة أنني أفضل أن تسأل.

    نظر اليه هاريسن بفضول؛ فقد أحس بأن في أسلوب صديقه وطريقة كلامه شيئا غير عادي. بعدها تقدم بحديثه على نحو متردد بعض الشئ, قال: هل قلت انك تحقق بجريمة؟ جريمة جدية؟

    - من أكثر ما يمكن أن تكون الجرائم جدية.

    - ماذا تعني...

    - جريمة قتل.

    وقد نطق بوارو هاتين الكلمتين بجدية بالغة جعلت هاريسن تأخذه المفاجئة. كان بوارو يحدق اليه مباشرة وأيضا كان في نظرته شئ غير عادي تماما بحيث لم يعد هاريسن يعرف كيف يستمر في الحديث. ولكنه قال أخيرا: ولكنني لم أسمع بأية جريمة قتل.

    - نعم, فأنت لم تكن لتسمع بها.

    - ومن هو القتيل؟

    - حتى الآن, لا أحد.

    - ماذا؟

    - ولذلك قلت انك لم تسمع بها. انني أحقق في جريمة لم ترتكب بعد.

    - اسمعني يا بوارو, هذا هراء.

    - أبدا. ان كان بوسع المرء أن يحقق في جريمة قبل حدوثها فان ذلك أفضل بكثير -بالتأكيد- من التحقيق بعد الجريمة. يمكن للمرء حتى أن يمنعها.

    نظر هاريسن اليه ثم قال: انك لست جادا يا سيد بوارو.

    - بلى, انني جاد.

    - أتعتقد حقا بأن جريمة قتل سترتكب؟ آه, هذا سخيف!

    أنهى بوارو الجزء الأول من جملته دون أن يلقى بالا لتعجب صاحبه: مالم نستطع أن نمنعها. نعم يا صديقي, هذا ما أعنيه.

    - نمنعها؟

    - نعم قلت: نمنعها نحن. فسأحتاج الى تعاونك.

    - ألهذا أتيت الى هنا؟

    مرة أخرى نظر بوارو اليه ومرة أخرى جعله ذلك الشئ غير المحدد في نظرة بوارو يضطرب ويقلق.

    - جئت الى هنا يا سيد هاريسن لأنني.. حسنا, لأنني أحبك.

    ثم أضاف بصوت مختلف كليا: انني أرى يا سيد هاريسن بأن لديك هناك عش زنابير. عليك أن تدمره.

    أدى تغيير الموضوع بهاريسن الى أن يقطب جبينه بطريقة تلفها الحيرة. ثم تبع بعينيه نظرة بوارو وقال بصوت مذعور: أنا في الحقيقة سأدمره... أو بالأحرى سيدمره الشاب لانغتن. هل تتذكر كلود لانغتن؟ كان حاضرا في نفس دعوة العشاء تلك التي قابلتك فيها. انه قادم هنا هذه الليلة ليدمر هذا العش. يبدو شغوفا بعض الشئ بهذا الأمر.

    - آه, وكيف سيدمره؟

    - بالنفط وحقنة الحديقة. ولكنه سيحضر ابرته الحاقنة؛ فحجمها أكبر من حجم ابرتي.

    - ألا توجد طريقة أخرى؟ باستخدام سيانيد البوتاسيوم؟

    بدا وكأن هاريسن قد فوجئ قليلا, وقال: بلى, ولكن تلك مادة خطيرة ومن المجازفة دوما الاحتفاظ بها في البيت.

    هز بوارو رأسه موافقا ببطء وقال: "نعم, انه سم قاتل". تريث قليلا وردد مرة أخرى بصوت وقور: سم قاتل.

    علق هاريسن ضاحكا: انه مفيد ان كنت تريد "تصريف" حماتك, ايه؟

    ولكن بوارو ظل جادا, وقال: وهل أنت واثق يا سيد هاريسن بأن ما سيستخدمه السيد لانغتن في تدمير عش الزنابير هو النفط؟

    - واثق تماما, لماذا؟

    - انني أتعجب! لقد كنت عند الصيدلي في بارتشيستر عصر اليوم. وكان علي أن أوقع في سجل السموم مقابل احدى العقاقير التي اشتريتها ورأيت في السجل آخر مادة وآخر توقيع. كانت المادة سيانيد البوتاسيوم وقد وقع أمامها كلود لانغتن.

    نظر هاريسن اليه وقال: غريب!... لقد أخبرني لانغتن أمس بأنه لم يحلم أبدا باستخدام هذه المادة والحقيقة أنه قال يجب عدم بيعها لهذه الأغراض.

    أرسل بوارو ناظريه الى الحديقة. وكان صوته هادئا جدا وهو يطرح سؤاله: هل تحب لانغتن؟

    جفل هاريسن؛ اذ بدا وكأن السؤال قد فاجأه على حين غفلة. قال: أنا... أنا... حسنا, بالطبع أحبه, ولماذا لا أحبه؟

    - قال بوارو بهدوء: كنت أتساءل فقط ان كنت تحبه.

    ولما لم يجب هاريسن مضى بوارو قائلا: وقد تساءلت أيضا ان كان هو يحبك؟

    - ما الذي تريد الوصول اليه يا سيد بوارو؟ في عقلك شئ لا أستطيع سبر غوره.

    - سأكون صريحا جدا معك. انك خاطب, وستتزوج يا سيد هاريسن. وأنا أعرف الآنسة مولي دين. انها فتاة جميلة وفاتنة جدا وقبل أن تكون مخطوبة لك كانت مخطوبة لكلود لانغتن وقد تركته من أجلك.

    هز رأسه موافقا واستمر بوارو: أنا لا أسأل عن دوافعها في ذلك فربما تكون لها مبررتها. ولكنني أقول لك ما يلي: ليس من المستكثر عليك أن تفترض بأن لانغتن لم ينس ولم يغفر ذلك.

    - أنت مخطئ يا سيد بوارو... أقسم أنك مخطئ. لقد تحلى لانغتن بروح رياضية وتقبل الأمر كرجل وقد كان شريفا معي الى حد مدهش... بذل كل ما بوسعه ليكود ودودا.

    - ولم يسترع ذلك انتباهك كأمر غير عادي؟ لقد استعملت تعبير"الى حد مدهش" ولكنك لا تبدو مدهوشا.

    - ما الذي تعنيه يا سيد بوارو؟

    قال بوارو وفي صوته نبرة جديدة: أعني بأنه يمكن لرجل أن يخفي كرهه حتى يأتي الوقت المناسب.

    - كرهه؟

    هز رأسه بالنفي وهو يضحك.

    - الانكليز أغبياء جدا؛ يعتقدون أنهم يستطيعون خداع الجميع وأن أحدا لا يستطيع خداعهم. هذا روحه رياضية, وهذا شاب طيب... لن يصدقوا أبدا وجود الشر فيه ولأنهم شجعان -رغم غبائهم- فهم أحيانا يموتون في وقت ليسوا مضطرين للموت فيه.

    قال هاريسن بصوت منخفض: انك تحذرني. أنا أدرك ذلك الآن... أدرك ما حيرني طوال هذا الوقت. انك تحذرني من كلود لانغتن. وقد جئت هنا اليوم لتحذرني...

    هز بوارو رأسه موافقا, فقز هاريسن واقفا وقال: ولكنك أنت المجنون يا سيد بوارو. نحن نعيش في انكلترا والأمور لا تجري بهذا الشكل هنا, فالخاطبون الذين تركتهم خطيباتهم لا يركضون في الشوارع طاعنين الناس في ظهورهم. وأنت مخطئ بخصوص لانغتن؛ فذلك الشاب غير مستعد أن يؤذي ذبابة.

    قال بوارو بهدوء: حياة الذباب ليست موضع اهتمامي. ورغم أنك تقول ان السيد لانغتن غير مستعد لقتل ذبابة فانك تنسى أنه يعد العدة الآن لقتل عدة آلاف من الزنابير.

    لم يجب هاريسن على الفور. ونهض بوارو بدوره وتقدم من صديقه ووضع يده على كتفه. كان بوارو ثائرا منفعلا حتى انه كاد أن يهز جسد الرجل الضخم وبينما كان يفعل ذلك همس بأذن صديقه قائلا: تغلب على غفلتك يا صديقي, تغلب على غفلتك. وانظر... انظر الى حيث أشير. هناك عند الحافة تماما قرب جذر الشجرة. انظر الى الزنابير وهي تعود الى عشها هادئة في نهاية النهار. خلال ساعة قصيرة سيحل بها الدمار وهي لاتعرف ذلك. ليس هناك من يخبرها.. ليس لديها -كما يبدو- أحد مثل هيركيول بوارو. انني أقول لك يا سيد هاريسن بأنني قد جئت الى هنا في عمل وان جرائم القتل هي عملي, وهي عملي قبل أن ترتكب بقدر ما هي عملي بعد ارتكابه. في أي وقت سيأتي السيد لانغتن لنزع عش الزنابير هذا؟

    - لانغتن لن...

    - سألتك في أي وقت؟

    - في الساعة التاسعة. ولكنني أقول لك: انك مخطئ تماما. لانغتن لن يقدم أبدا...

    صاح بوارو مقاطعا في نوبة عاطفة: يا لهؤلاء الانكليز!

    ثم أخذ قبعته وعصاه ومضى عبر الممشى توقف قليلا ليلتفت ويقول: لن أبقى لكي أتجادل معك فلن أجني من ذلك الا اغضاب نفسي, ولكن, ليكن بعلمك: سأعود في الساعة التاسعة.

    فتح هاريسن فمه ليتكلم, ولكن بوارو لم يعطه فرصة لذلك اذ قال: أعرف ما ستقوله... لانغتن لن يقدم أبدا... الخ. حسنا, أنت تقول: ان لانغتن لم يقدم أبدا! ولكنني -مع ذلك- عائد اليك في الساعة التاسعة. نعم, وسيسرني ذلك, اعتبرها هكذا: يسرني أن أشاهد تدمير عش الزنابير. اعتبرها رياضة من رياضاتكم الانكليزية!

    لم ينتظر جوابا بل مضى سريعا في ممر الحديقة ثم الى الخارج عبر البوابة التي تصدر صريرا. وما أن أصبح في الشارع حتى خفت سرعة خطواته وتلاشت حيويته ونشاطه وأصبح وجهه قلقا وقورا. أخرج ساعته من جيبه ونظر اليها. كانت العقارب تشير الى الثامنة وعشر دقائق. تمتم قائلا: أكثر من ثلاثة أرباع الساعة. عجبا, هل استعجلت؟

    تباطأت خطواته, بل بدا وكأنه وصل الى نقطة يكاد يعود فيها. بدا أن نذير شر غامضا يهاجمه ولكنه طرد ذلك الهاجس عنه بتصميم واستمر في سيره باتجاه القرية. ولكن وجهه كان ما يزال قلقا, وقد هز رأسه مرة أو مرتين صنع رجل لا يملك الا بعض القناعة.

    كانت الساعة قبل التاسعة ببضع دقائق عندما اقترب مرة أخرى من بوابة الحديقة. كان المساء صافيا ساكنا لا تكاد ترى فيه هبة نسيم تحرك أوراق الشجر. ربما كان في هذا السكون شئ ما شرير كالهدوء الذي يسبق العاصفة.

    تحركت قدما بوارو بشكل أسرع قليلا اذ شعر فجأة بالذعر وعدم اليقين. كان يخاف شيئا لا يدرك كنهه. وفي تلك اللحظة فتحت بوابة الحديقة وخرج منها كلود لانغتن بسرعة الى الشارع. وقد جفل عندما رأى بوارو وقال: آه...مـ... مساء الخير.

    - مساء الخير يا سيد لانغتن. لقد خرجت مبكرا.

    نظر لانغتن اليه وقال: لا أدري ما الذي تعنيه؟

    - هل عالجت عش الزنابير؟

    - في الحقيقة... لا, لم أعالجه.

    قال بوارو بلطف: آه, أنت لم تعالج عش الزنابير. فماذا فعلت اذن؟

    - جلست فقط وتحدثت قليلا مع هاريسن العجوز. انني مضطر حقا للاسراع بالانصراف الآن يا سيد بوارو. لم تكن لدي فكرة بأنك باق في هذا الجزء من العالم.

    - لدي عمل هنا.

    - آه! حسنا, ستجد هاريسن على المصطبة. أنا آسف لأنني لا أستطيع البقاء.

    وأسرع مبتعدا. تابعه بوارو بنظراته. كان شابا عصبي المزاج حسن الهيئة ذا فم ينم عن الضعف! تمتم بوارو قائلا: فسأجد هاريسن على المصطبة اذن. ترى هل سأجده؟

    دخل من بوابة الحديقة ثم عبر الممر. كان هاريسن جالسا على كرسي قرب الطاولة. جلس ساكنا بل انه لم يدر رأسه عندما اقترب منه بوارو قائلا: آه! يا صديقي. أأنت على ما يرام؟

    ساد صمت طويل, قال بعده هاريسن بصوت ذاهل: ماذا قلت؟

    - قلت: هل أنت على ما يرام؟

    - بخير, نعم... أنا بخير. ولماذا لا أكون كذلك؟

    - ألا تشعر بأية آثار سيئة؟... هذا جيد.

    - آثار سيئة؟ من ماذا؟

    - من مسحوق غسول الصودا.

    نهض هاريسن فجأة وقال: غسول الصودا؟ ما الذي تعنيه؟

    قام بوارو بحركة اعتذار وقال: انني آسف جدا لاضطراري لذلك, ولكنني وضعت بعض حبيبات مسحوق الصودا في جيبك.

    - وضعت حبيبات الصودا في جيبي؟ لماذا بالله عليك؟

    حدق هاريسن اليه. تكلم بوارو بهدوء وبأسلوب موضوعي وكأنه محاضر نزل الى مستوى طفل صغير: أنت تعلم أن واحدة من محاسن -أو مساوئ- العمل كرجل تحر أن ذلك يجعلك على اتصال مع طبقات المجرمين وهؤلاء يستطيعون أن يعلموك بعضا من أغرب الأمور وأشدها اثارة. صادفت نشالا ذات يوم واهتممت به لأنه -في تلك المرة تحديدا, من بين آلاف المرات- لم يكن قد ارتكب ما اتهم به, وهكذا أنقذته ولأنه شعر بالامتنان لي فقد وفاني أجري بالطريقة الوحيدة التي وصل اليها تفكيره, وهي تعليمي حيل مهنته. وهكذا فانني استطيع نشل جيب رجل -ان أردت- دون أن يحس أبدا ذلك. أضع احدى يدي على كتفه ثم أمثل دور المنفعل ولا يحس هو بشئ فيما أكون قد تمكنت من نقل ما في جيبه الى جيبي وترك بعض حبيبات الصودا مكانه.

    ثم تابع بوارو حالما: أرأيت؟ ان أراد رجل أن يصل الى بعض السم بسرعة ليضعه في كأس دون أن يلحظه أحد فان عليه أن يحتفظ به في جيب معطفه الأيمن ليس من مكان آخر. لقد عرفت أنه سيكون هناك.

    ثم دس يده في جيبه وأخرج بعض الحبيبات البيضاء المتكتلة المبلورة, وتمتم قائلا: خطيرة جدا... ولا ينبغي حملها هكذا دون اناء محكم.

    ومن جيبه الآخر أخرج ببطء وهدوء زجاجة واسعة الفوهة. أدخل الحبيبات المتبلورة فيها ثم تقدم من الطاولة وملأ الزجاجة بالماء الصافي. بعد ذلك أغلق سدادتها بحذر وأخذ يرجها حتى ذابت الحبيبات. كان هاريسن يراقبه وكأنه مسحور. وبعد أن اقتنع بوارو بمحلوله مشى الى عش الزنابير... فتح الزجاجة وأدار رأسه جانبا وسكب المحلول في العش ثم تراجع خطوتين ليراقب الوضع.

    كانت بعض الزنابير التي تحط عائدة الى عشها ترتجف قليلا ثم ترتمي ساكنه فيما زحفت زنابير أخرى خارج فتحة العش لترتمي ميتة بعدها. راقب بوارو ذلك برهة ثم هز رأسه وعاد الى الشرفة قائلا: موت سريع, سريع جدا.

    وجد هاريسن أخيرا صوته وقال: ما هو مدى معرفتك؟

    نظر بوارو أمامه تماما وقال: كما قلت لك, لقد رأيت اسم كلود لانغتن في السجل. أما ما لم أخبرك به فهو أنني صادفته بعد ذلك مباشرة. وقد أخبرني بأنه كان يشتري سيانيد البوتاسيوم بناء على طلبك أنت لتدمير عش الزنابير. وقد أثار ذلك انتباهي باعتباره أمرا غريبا يا صديقي لأنني أتذكر أنك -في ذلك العشاء الذي تحدثت عنه- تكلمت مطولا عن الحسنات الكبيرة لاستخدام النفط واستنكرت شراء السيانيد باعتباره خطيرا وغير ضروري.




    - استمر.

    - وعرفت شيئا آخر. لقد رأيت كلود لانغتن ومولي دين معا في مكان لم يكونا يعتقدان أن أحدا سيراهما فيه. انني لا أعرف تلك المشاجرة بين المحبين التي جعلتهما أساسا يفترقان ودفعت الفتاة اليك ولكنني أدركت بأن سوء التفاهم بينهما قد زال وأن الأنسة دين كانت في طريق عودتها الى حبيبها.

    - استمر.

    - وقد علمت شيئا آخر يا صديقي. لقد كنت في شارع هارلي شارع الأطباء قبل أيام وقد رأيتك تخرج من عيادة طبيب معين. وأنا أعرف الطبيب وأعرف المرض الذي يلجأ اليه الناس من أجله وقد رأيت التعبير على وجهك. ذلك التعبير الذي لم أره سوى مرة أو مرتين طوال حياتي ولكنه تعبير لايمكن الخطأ فيه. كان وجهك وجه رجل حكم عليه بالاعدام. أنا على حق في هذا أليس كذلك؟

    - على حق تماما, وقد قرر الطبيب أنني لن أعيش سوى شهرين.

    - أنت لم ترني يا صديقي؛ لأنك كنت مشغولا جدا بأمور أخرى تفكر فيها. وقد رأيت شيئا آخر على وجهك ذلك الشئ الذي قلت لك عصر اليوم ان الرجال يحاولون اخفاءه... رأيت فيه الكراهية يا صديقي. انك لم تكلف نفسك عناء اخفاءها, لأنك لم تظن أن أحدا كان يراقبك.

    - استمر.

    - لم يعد لدي كثير مما يقال. جئت هنا ورأيت اسم لانغتن بالمصادفة في سجل السموم كما قلت لك, ثم قابلته وجئتك هنا. لقد نصبت لك فخاخا. أنت أنكرت أنك طلبت من لانغتن الحصول على السيانيد أو بالأحرى عبرت عن دهشتك لفعلته ذاك. لقد فوجئت في البداية لدى رؤيتي ولكنك سرعان ما أدركت أن وجودي سيكون مناسبا لما تفكر فيه, فشجعت شكوكي. كنت أعرف من لانغتن نفسه أنه سيأتي هنا في الساعة الثامنة والنصف, ولكنك قلت انه سيجئ في التاسعة معتقدا أنني سآتي لأجد كل شئ منتهيا, وهكذا كنت أعرف كل شئ.

    - لماذا أتيت؟ لو أنك فقط لم تأت!

    اعتدل بوارو في جلسته وقال: لقد قلت لك, ان القتل هو اختصاصي.

    - القتل؟ بل قل: الانتحار.

    صدع صوت بوارو حادا واضحا وهو يقولك كلا, بل أعني القتل. كان موتك سيكون سريعا وسهلا ولكن موت لانغتن الذي خطط له كان أسوأ موت يمكن لانسان أن يلقاه, فهو الذي اشترى السم وهو الذي جاء لزيارتك وهو -وحده- الذي كان معك. تموت فجأة ويكشف السيانيد في كأسك ويشنق كلود لانغتن... تلك كانت خطتك.

    زمجر هاريسن مرة أخرى نائحا: لماذا أتيت؟ لماذا أتيت؟

    - لقد أخبرتك. ولكن يوجد سبب آخر؛ وهو أنني أحبك. اسمع يا صديقي انك رجل يحتضر وقد فقدت الفتاة التي أحببتها ولكن شيئا واحدا لا يمكن أن تكونه... فأنت لست قاتلا. قل لي الآن: أأنت سعيد أم آسف لحضوري.

    ساد لحظات صمت, واعتدل هاريسن في جلسته. بدت في وجهه هيئة جديدة: هيئة رجل استطاع أن يتحكم بدخيلة نفسه العميقة. مد يده عبر الطاولة وصاح: شكرا لله أنك أتيت... آه, شكرا لله


    أجاثا كريستي

    جريمة قتل بالمتر



    أمسكت الآنسة بوليت مطرقة الباب وضربت بها باب البيت ضربات خفيفة وبعد فترة قصيرة ضربت ثانية. تحرك الكيس من تحت ذراعها الأيسر قليلا وهي تطرق الباب فقامت بتعديله وكان في داخل الكيس الثوب الشتوي الأخضر الجديد للسيدة سبينلووهو جاهز لقياسه وكانت تتدلى من يد الآنسة بوليت اليسرى حقيبة من الحرير الأسودتحتوي على متر قياس ومقص كبير .

    كانت الآنسة بوليت طويلة القامة نحيلة ذات أنف رفيع وشفتين مزمومتين وشعر أشيب خفيف وقد ترددت قبل أن تدق على الباب للمرةالثالثة وعندما نظرت إلى الشارع رات واحدة تقترب منها بسرعة .

    صاحت الآنسة هارتنيل (وهي سيدة مرحة مسفوعة الوجه في الخامسة والخمسين من العمر) بصوتها العاليالمعتاد : مساء الخير آنسة بوليت!
    واجابتها الخياطة : مساء الخير يا آنسةهارتنيل .
    كان صوتها رفيع جدا وهادئ النبرات وأكملت تقول : أرجو المعذرة ولكن هللديك فكرة إن كانت السيدة سبينلو خارج البيت؟
    - لا أعرف أبدا
    - إنه أمر محرج بعض الشيء يفترض ان تقيس السيدة سبينلو ثوبها الجديد عصر اليوم وقد طلبت مني أن آتيإليها في الساعة الثالثة والنصف
    نظرت الآنسة هارتنيل إلى ساعتها وقالت : لقد تجاوزت الثالثة والنصف بقليل .
    - نعم لقد طرقت الباب ثلاث مرات ولكن لا يبدو أنفي الداخل أحدا ولذلك تساءلت إن كانت السيدة سبينلو قد خرجت من بيتها ونسيت الموعد إنها لا تنسى مواعيدها عموما كما أنها كانت تريد لبس الثوب بعد غد .

    عبرت الآنسة هارتنيل البوابة واتجهت صوب الآنسة بوليت عند باب البيت وسألتها : لماذا لا تفتح غلاديس الباب؟ آه اليوم هو الثلاثاء وهو يوم عطلتها أظن السيدة سبينلو نائمةها طرقت البوابة بقوة؟

    أمسكت المطرقة وطرقت بها الباب طرقات تصم الآذان كماضربت الباب بيدها ضربات قوية أيضا وصاحت تنادي بصوت جهوري :من بالداخل ...............ولكن لم ترد أي اجابة .

    تمتمت الآنسة بوليت : آه لا شك أنالسيدة سبينلو قد نسيت الموعد وخرجت سآتي إليها في وقت آخر ............... ثماستدارت لتعود أدراجها نحو البوابة الخارجية .

    قالت الآنسة هارتنيل بقوة : هراء لا يمكن أن تكون قد خرجت فلو خرجت لالتقيت بها سأنظر من النافذة وأرى ان كانفي البيت أحد .

    ضحطت بأسلوبها المبتهج المعتاد لتوضح أنها مجرد مزحة ثم نظرتمن خلال أقرب نافذة لا مبالية لأنها كانت تعرف جيدا أن الغرفة الأمامية نادرا ماتستخدم ذلك لأن السيد سبينلو وزوجته يفضلان الجلوس في غرفة الجلوس الصغيرة الخلفية .
    ورغم أنها كانت نظرة لا مبالية الا انها نجحت في تحقيق الهدف منها بالفعل لم تر الانسة هارتنيل أثرا للحياة داخل البيت وعلى العكس من ذلك فقد رأت من خلال النافذة السيدة سبنيلو ممدة على السجادة الصغيرة أمام الموقد ... ميتة .
    --------------------------------------------------------
    قالت الانسة هارتنيل وهي تحكي القصة فيما بعد : تمكنت - طبعا - من ضبط نفسي واستخدام عقلي لميكن من شان تلك المخلوقة بوليت ان تعرف كيف تتصرف فقلت لها إن علينا ان نحافظ على رباطة جأشنا وطلبت منها ان تبقى مكانها حتى اذهب لاستدعاء الشرطى بولك وقد قالت شيئا عن عدم رغبتها في لبقلء وحدها لكني لم ألتفت لكلامها على الاطلاق يجب علىالمرء ان يكون صلبا مع مثل هؤلاء الاشخاص وقد وجدت - دائما - ان امثالها يحبون عملضجة ولذلك كنت على وشك المغادرة في نفس اللحظة التي اتى بها السيد سبينلو من عند زاوية البيت .............. سكتت الانسة هارتنيل سكتة ذات دلالة مما شجع محدثها علىسؤالها بانفس لاهثة : أخريني كيف كان يبدو؟

    وعدها كان من شأن الانسة هارتنيل ان تكمل قائلة : بصراحة شككت بوجود شئ في الامر على الفور كان هادئا غلى ابعد حدود ولم يبد انه قد فوجئ بأي شكل ولكم ان تقولوا ماتشاؤون ولكن ليس من الطبيعي ان يسمع رجل ان زوجته قد ماتت ولا يظهر عليه اي انفعال .

    وافقها الجميع على هذا الكلام .
    كما ان الشرطة وافقوها ايضا فقد ارتابو في برود السيد سبينلو الى الحدالذي لم يضيعوا معه اي وقت في التحقق من الحالة التي يعيشها الرجل نتيجة وفاة زوجته وعندما اكتشفوا ان السيدة كانت ثرية وان ثروتها ستذهب الى زوجها بموجب وصية كتبتها بعد زواجها منه بوقت قصير ازدادت شكوكهم عما كانت عليه .

    أما لانسة ماربل ذات الوجه اللطيف (وهي العانس العجوز التي تعيش في البيت المجاور لبيت القس) فقدقابلها الشرطة في وقت مبكر جدا ... خلال نصف ساعة من اكتشاف الجرمة وقد جاءها الشرطي بولك وهو يقلب دفتر ملاحظاته بشمل يوحي بأهميته وقال : إن لم يكن عندك مانع يا سيدتي فلدي بعض الاسئلة اريد طرحها عليك .

    قالت الانسة ماربل : بخصوص مقتل السيدة سبينلو؟
    جفل بولك وقال : هل لي ان اسئلك كيف عرفت بهذا الأمر ياسيدتي؟
    - السمكة
    كان الرد مفهوما تماما بانسبة للشرطي بولك وقد افترض - بصورةصحيحة - ان صبي السماك هو الذي اخبرها بالخبر عندما احضر لها السمك في المساء .
    اكملت الانسة ماربل بلطف : كانت ممددة على الارض في غرفة الجلوس, مخنوقة... وربما كان ذلك بحزام رفيع جدا ولكن اداة الجريمة لم تكن موجودة.
    ظهر الغضب على وجه بولك : كيف عرف ذلك الصغير فريد بكل شئ...
    قاطعته الانسة ماربل بلباقة قائلة : في سترتك دبوس .
    نظر الضابط بولك إلى سترته مدهوشا وقال : إنهم يقولون : شاهددبوسا والتقطه وانظر كيف سيكون حظك سعيدا طوال اليوم .
    -ارجو ان يتحقق ذلك والان ماهي الاسئلة التي اردت طرحها علي ؟

    تنحنح الشرطي بولك وافتعل الاهمية ثم نظر إلى دفتر ملاحظاته وقال : لقد اعطاني السيد آرثر سبينلو زوج الفقيدة اقوالهوهويقول ان الانسة ماربل اتصلت به هاتفيا في الساعة الثانية والنصف (حسبما يتذكر) وطلبت منه ان ياتي اليها في الساعة الثالثة والربع لانها كانت تود استشارته بخصوص شئ معين هل هذا صحيح يا سيدتي؟
    قالت النسة ماربل : بالتاكيد غير صحيح
    - الم تتصلي بالسيد سبينلو الساعة الثانية والنصف؟
    - لا في الثانية والنصف ولا في اي ساعة اخرى

    قال بولك وهو يفتل شاربه وعلامة الرضا بادية على وجهه : آه
    - وماذا قال السيد سبينلو غير هذا ؟
    - افادته تقول انه جاء الى هنا كما طلبت منه وترك بيته في الساعة الثالثة وعشر دقائق ولدى وصوله الى هما اخبرته الخادمة بأنالانسة ماربل ليست في البيت .
    - هذا الجزء من الفادة صحيح جاء الى هنا فعلا لكنيكنت احضر اجتماعا للجمعية النسائية .
    - آه
    صاحت الانسة ماربل : اخبرني ايهاالشرطي هل تشكون في السيد سبينلو؟
    - ليس من صلاحيتي قول هذا في الوقت الحالي ولكن يبدو لي دون تسمية أسماء ان احدهم يحاول ان يكون ان يكون بارعا
    قالت الانسة ماربل متأملة : السيد سبينلو؟

    كانت تحب السيد سبينلو كان رجلا ضئيل الجسم نحيفا ورسميا تقليديا في كلامه وكان مثالا للاحترام وقد بدا غريبا ان يختارالمجئ للعيش في الريف فمن الواضح انه عاش في المدن طوال حياته وقد كشف للانسة ماربل عن سبب ذلك إذ قال لها : كنت أعتزم - منذ ان كنت صبيا صغيرا - العيش في الريف يوما من الايام وان تكون لي حديقتي الخاصة وكنت احب الأزهار كثيرا . وقد كانت لزوجتي - كما تعلمين - محل لبيع الورود وهناك رأيتها لاول مرة .

    كلام واقعي مجرد وقد فتح المجال أمام صور رومنسية عديدة صور السيدة سبينلو وهي اصغر عمرا واجمل ترى فياطار من الورود والازهار .
    ولكن السيد سبينلو لم يكن يعرف شيئا عن الزهار لم تكنعنده اي فكرة عن البذور وتقليم الازهار وزراعتها ولا عن النباتات الحولية او النباتات المعمرة لم تكن لديه سوى رؤية في ذهنه... رؤية لحديقة منزلية صغيرة تزدحم بازهار ذات روائح عطرة والوان براقة وكان يطلب النصائح في هذا الشأن بصورةتكاد تثيرالشفقة وكان يسجل ردود الانسة ماربل على اسئلته في دفتر صغير .

    كان رجلا ذا اسلوب هادئ وربما كانت هذه هي الصفة التي جعلت الشرطة يهتون بأمره عندما وجدت زوجتهمقتولة . ومع الصبر والمثابرة علموا الكثير عن السيدة سبينلو الراحلة... وسرعان ما عرفت قرية سينت ميري ميد بأسرها كل هذا الكثير.

    كانت السيدة سبينلو قد بدأت حياتها خادمة غير متفرغة في بيت كبير وقد تركت ذلك العمل لتتزوج مساعدالبستاني وافتتحت معه محلا لبيع الزهور في لندن وقد ازدهر المحل ولكن صحة البستاني لم تزدهر وما لبث ان مرض ومات واستمرت أرملته في ادارة المحل وتوسعت فيه بطريقةطموحة وواصل عملها ازدهاره ثم باعت المحل بسعر مغر وعمدت إلى الزواج للمرةالثانية... بالسيد سبينلو وهو صائغ مجوهرات في اواسط عمره ورث شركو صغيرة تكافح من اجل البقاء ولم يمض وقت طويل حتى باع الاثنان الشركة وقدما الى قرية سينت ميري ميد .

    كانت السيدة سبينلو امرأة غنية نتيجة ارباحها التي جنتها من محل الزهورالذي افتتحته (( بإلهام روحاني)) كما كانت تقول لكل من هب ودب وقد نمت جميع استثماراتها وازدهر بعضها بطريقة مثيرة تماما وعندما جائت الى سينت ميري ميدأصابتها مسحة من التدين وباتت كثيرة التردد على الكنيسة وصارت تهتم بالأحداث المحلية وتشارك في لعبة البريدج السائدة في القرية. حياة رتيبة عادية. وفجأة... جريمة قتل.
    -----------------------------------------------------------
    كان قائد الشرطة الكولونيل ميلشيت قد استدعى المفتش سلاك . وكان سلاك رجلا شديد الثقة بنفسه وعندما يصل الى قناعة تراه واثقا من امره وقد كان الآن واثقا تماما إذ قال : الزوجهو الذي فعلها يا سيدي
    - أتظن ذلك ؟
    - انا متاكد منه تماما يكفي ان تنظر اليهفالذنب مكتوب على جبينه وهو لم يظهر اية علامة على الحزن أو العاطفة ابدا لقد عاد الى البيت وهو يعلم انها ميتة !
    - الم يكن من شأنه - لو صح ذلك - ان يمثل دور الزوج المفجوع على الأقل ؟
    - هو ليس من هذه النوعية يا سيدي فهو مغرور معجببنفسه إن بعض الرجال لا يستطيعون التمثيل ويكونون شديدي الجدية
    - أتوجد في حياته أية امرأة اخرى؟
    - لم نستطع العثور على أثر لأي امرأة إنه من النوع البارع -بالطبع- ومن شأنه إخفاء تحركاته وانا ارى انه من سئم من زوجته لقد كانت هي التيتملك المال وأظن انها امراة يصعب العيش معها... ولذلك قرر بأعصاب باردة التخلص منهاوالعيش بمفرده مرتاحا .
    - نعم ربما كانت القضية على هذا النحو
    - أؤكد لك ان هذا هو ما حصل لقد وضع خططه بحرص فتظاهر بأنه تلقى مكالمة هاتفية...

    قاطعه ميلشيت : هل تتبعتم حصول أية مكالمة هاتفية؟
    - لم نعثر على اي اثر لاي مكالمةياسيدي وهذا يعني أحد أمرين : اما انه يكذب أو ان المكالمة كانت من هاتف عمومي . الهاتفان العموميان الوحيدان في القرية أحدهما في محطة القطارات
    والآخر في مكتب البريد ومن المؤكد أن المكالمة لم تتم من مكتب البريد ؛ فالسيدة بليد ترى كل منيدخل هناك . أما المحطة فربما فالقطار يصل في الساعة الثانية وسبع وعشرين دقيقةويكون هناك بعض الازدحام وقتها . ولكن الشئ الغريب أنه يقول ان الانسة ماربل هي التي خابرته وهذا ليس صحيحا بالتاكيد فالمكالمة لم تات من بيتها كما انها كانت خارجالبيت في الجمعية في ذلك الوقت .
    - الست تغفل إمكانية قيام احدهم بإبعاد الزوج عن بيته متعمدا... حتى يتسنى له قتل السيدة سبينلو؟
    - لعلك تفكر في الشاب تيد جيرارد ياسيدي اليس كذلك ؟ لقد تحققت في امره ولكن ما يواجهنا في هذه الحالة هو عدموجود دافع ياسيدي فهو لا يستفيد شيئا من موتها
    - ومع ذلك فهو شجصية كريهة وفيسجله عملية اختلاس مبلغ لا بأس به من المال .
    - انا لا اقول إنه مستقيم ومع ذلك فقد ذهب الى رئيسه في العمل واعترف بعملية الاختلاس تلك... مع ان اصحاب العمل لمينتبهوا لذلك في البداية
    - سمعت انه صار عضوا في جماعة اكسفورد الدينية
    - نعم ياسيدي ولعل ضميره قد انبه بسبب تدينه فذهب مباشرة لإبراء ذمته واعترف بسرقة المال ولكنني لا استبعد ان يكون ذلك مجرد دهاء منه فربما ظن ان الشبهات تدور حوله فقرر المقامرة بإظهار توبته الصادقة .
    - ان لديك عقلا شكاكا يا سلاك على فكرة هل تحدثت مع الانسة ماربل؟
    - وما علاقتها هي بالأمر ياسيدي؟
    - آه لا شئ ولكنها تسمع أشياء كثيرة لم لا تذهب وتتحدث معها؟ إنها عجوز ذكية جدا .

    غير سلاك مجرى الحديث قائلا : كنت اعتزم سؤالك عن شئ ياسيدي بالنسبة لوظيفة الخدمة المنزلية التي بدات بها القتيلة حياتها العميلة... في بيت السير روبرت أبر كرومبي. هناك وقتعملية السطو على المجوهرات (وكانت من الزمرد الثمين) ولم يتم العثورعلى المجرمين لقد تقصيت هذا الامر ولابد من ان العملية قد وقعت عندما كانت السيدة سبينلو هناك رغم انها كانت فتاة صغيرة آنذاك اتحسب انها كانت متورطة في الامر ياسيدي؟ لقد كانالسيد سبينلو - كما تعلم - من اولئك الصاغة الصغار التافهين... ممن يمكن ان تدورحولهم الشبهات .

    هز ميلشيت رأسه بالنفي وقال : لا احسبان في هذا الامرشيئا بل انها لم تكن تعرف سبينلو في ذلك الوقت . نعم اتذكر القضية كان رأي الشرطة ان احد ابناء صاحب البيت هو المتورط في ذلك العمل واسمه جيم أبر كرومبي كان شابامبذرا جدا وكانت عليه ديون متراكمة وقد تم الوفاء بالديون بعد السرقة مباشرة وقالواان امراة غنية هي التي سددت الديون ولكن لا اعرف... فقد عمد أبر كرومبي العجوز إلى التستر على القضية قليلا وحاول وقف الشرطة عن متابعة التحقيقات .

    قال سلاك : كانت مجردة فكرة ياسيدي.
    -----------------------------------------------------------------
    استقبلت الانسة ماربل المفتش سلاك بسرور خاصة عتدما علمت ان الكولونيل ميلشيت هو الذي ارسله : هذا لطف كبيرحقا من الكولونيل ميلشيت لم اعرف انه مازال يتذكرني.

    - إنه يتذكرك تماما وقد قال لي إن ما لا تعرفينه عما يجري في سينت ميري ميد لا يستحق المعرفة
    - هذا لطف كبير منه ولكني لا اعرف شيئا ابدا اقصد بخصوص هذهالجريمة.
    - تعرفين ماذا يتحدث الناس حول هذا الامر.
    - آه طبعا... ولكن لا فائدة من ترديد الاقاويل أليس كذلك ؟

    قال سلاك محاولا اظهار اللطف : هذا ليس حديثا رسميا بيننا إنه كلام خاص
    - تقصد انك تريد معرفة ما يقوله الناس حقا سواءكان صحيحا أو لا؟
    - هذه هي الفكرة
    - حسنا لقد دار الكثير من الحديث والتخمينبالطبع والحق انه يوجد معسكران متميزان فهناك - أولا - من يعتقد ان الزوج هو الذي فعلها فالزوج او الزوجة هما من تقع عليهما الشبهة في مثل هذه الاحوال الا ترى ذلك ؟

    أجابها المفتش بحذر : ربما
    - ذلك انهما يكونان على مقربة شديدة كل من الآخر... بالاضافة غلى وجود جانب المال في احيان كثيرة لقد سمعت ان السيدة سبينلوهي التي كانت تملك الاموال ولذلك فان السيد سبينلو يستفيد من موتها ؛وفي هذا العالمالفاسد يمكن - غالبا - إيجاد المبرر لأكثر الافتراضات قسوة.
    - سيحصل على مبلغ جيد
    - هذا صحيح قد يبدو من الممكن ان يخنقها ويخرج من البيت من الخلف فيعبر الحقول إلى بيتي ثم يطلب رؤيتي زاعما انه تلقى مكالمة هاتفية مني ثم يعود ويجد زوجته مقتولة في غيابه... آملا طبعا ان تنسب المشرد او سارق

    أوما المفتش برأسه مواقا وقال : ماذا عن جانب المال ؟ وهل كانا على علاقة سيئة في الفترةالاخيرة؟
    قاطعته الانسة ماربل : آه لكنهما لم يكونا كذلك
    - هل انت متاكدة من هذه الحقيقة؟
    - لو تشاجرا لكان من شان الجميع معرفة ذلك! كان من شأن الخادمةغلاديس أن تنشر الخبر في القرية في الحال
    قال المفتش بصوت واهن : ربما لمتعرف...

    ولكنه تلقى ابتسامة شفقة ردا على عبارته واكملت الانسة ماربل حديثها :ثم هناك معسكر التخمينات الآخر التي يتهم تيد جيرارد انه شاب وسيم وأخشى ان تاثيرالوسامة على المرء اكبر مما ينبغي! لقد دار الحديث حوله بالطبع وقد كان يأتي لرؤيتها كثيرا رغم ان السيدة سبينلو اخبرتني بنفسها انه كان عضوا في مايسمونه جماعة اكسفورد كما اظن. انها حركة دينية واظن ان اعضاءها شديدو الاخلاص والاستقامة وقدتاثرت السيدة سبينلو بهذا الامر.

    سحبت الانسة ماربل نفسا ثم اكملت : كما انني واثقة من عدم وجود سبب للاعتقاد بوجود شئ آخر في هذا الامر ولكنك تعرف طبيعةالناس كثير من الناس مقتنعون بان السيدة سبينلو قد افتتنت بالشاب واقرضته مبلغا كبيرا من المال كما ان من الصحيح تماما انه شوهد بالفعل في المحطة في ذلك اليوم لقد كان في القطار... قطارالثانية وسبع وعشرين دقيقة ولكن من السهل تماما -بالطبع- انينزل من الجانب الآخر من القطار ويذهب من خلال تلك الثغرة في الشبك الحديدي ثم يتسلق السياج ولا يخرج من مدخل محطة القطار ابدا.

    - وهل يقول الناس شيئا آخر؟
    - انهم يرون ان الملابس التي كانت السيدة سبينلو ترتديها كانت غريبة.
    - غريبة؟
    قالت الانسة ماربل وقد احمر وجهها : كانت ترتدي رداء كذلك الذي يلبس بعدالحمام وليس ثوبا عاديا وربما كان مثل هذا الامر ذا مغزى عند بعض الناس.
    - اتظنينه ذا مغزى بالفعل؟
    - آه, لا, لا اظن ذلك اعتقد انه كان امرا طبيعيا تماما.
    - اتحسبينه كان طبيعيا؟
    - في ظل تلك الظروف نعم اظنه كذلك

    كانت نظرة الانسة ماربل فاترة ومتأملة.
    قال المفتش سلاك : ربما يعطينا ذلك دافعا آخر للزوج وهو الغيرة.
    - آه لا ليس من شأن السيد سبينلو ان يكون غيورا ابدا انه ليسمن النوع الذي يلاحظ الامور ولئن خرجت زوجته وتركت له رسالة على تلك الكرة القماشية التي تغرز بها الدبابيس - مثلا - لكانت تلك اول مرة يعرف بها بوجود مثل تلك الكرة .

    كان المفتش سلاك متحيرا من الطريقة الجدية ذت المغزى التي كانت تنظربهاإليه رأى ان القصد من كل حديثها هو التلميح الى شئ لم يفهمه
    وأخيرا قالت بشئ من التشديد : الم تعثروا انتم على اي دليل ايها المفتش... في مكان الجريمة؟
    - الناس لا يتركون في هذه الايام بصمات اصابعهم يا انسة ماربل؟
    - ولكني اظن هذه كانت جريمة قتل من الطراز القديم

    قال سلاك بحدة : ماذا تقصدين بهذا؟
    قالت الانسة ماربل ببطء : اظن ان بوسع الشرطي بولك ان يساعدك فقد كان اول شخص يأتي إلى... إلى ((مسرح الجريمة)) كما يقال.
    --------------------------------------------------
    كان السيد سبينلو يجلس على كرسي خشبي وقد بدا شديد الحيرة . قال بصوته الرفيع الدقيق : ربما كان هذامجرد خيال مني لما حدث بالطبع ان سمعي ليس كما كان ولكنني ظننت انني سمعت ولدا صغيرا يناديني قائلا : ((ياه من هو الفاعل؟)) وقد ترك ذلك لدي انطباعا بأنه يظن انني انا... انا الذي قتلت زوجتي العزيزة.

    قالت الانسة ماربل وهي تقطع وردةذابلة : كان قصده إيصال ذلك الانطباع دون شك.
    - ولكن ما الذي وضع هذه الفكرة فيراس هذا الطفل ؟
    تنحنحت الانسة ماربل وقالت : لا شك انه كان يستمتع الى آراء منهم اكبر منه
    - اتظنين... اتظنين حقا ان الناس الآخرين يرون ذلك ايضا؟
    - نصف سكان سينت ميري ميد تماما
    - ولكن يا سيدتي العزيزة ما الذي يمكن ان يكون سببا فيظهور هذه الفكرة؟ لقد كنت احب زوجتي حبا خالصا. صحيح انها -للأسف- لم تتكيف مع العيش في الريف مثلما كنت اتمنى ولكن الاتفاق التام على كل موضوع امر مستحيل أؤكد لك انني اشعر بفقدانها شعورا شديدا .
    - ربما ولكن اسمح لي ان اقول إن ذلك لايبدو عليك.

    انتصب السيد سبينلو في جلسته وقال : يا سيدتي العزيزة قبل عدةسنوات قرأت عن فيلسوف صيني توفيت زوجته التي كان يحبها ولكنه واصل -بهدوء- قرعالجرس في الشارع كعادته... واحسب ان تلك كانت تسلية صينية مألوفة وقد تاثر الناس كثيرا بجلده وقوة احتماله.
    - لكن رد فعل الناس في سينت ميري ميد ختلف تماما إنالفلسفة الصينية لا تروق لهم.
    - ولكنك تفهمين؟
    أومأت الاسة ماربل برأسها وقالت : كان عمي هنري غير عادي في ضبط نفسه وكان شعاره هو (لا تظهر عواطفك ابدا)). وكان هوالآخر يحب الازهار كثيرا.

    قال السيد سبينلو بشئ اشبه باللقهة : كنت افكر في عمل تعريشة على الجانب الغربي للبيت عرائش ذات ورود قرنفلية وهناك أزهار بيضاء نجمية الشكل لا يحضرني اسمهاالآن...
    قالت الآنسة ماربل بنبرة من تتحدث مع حفيد أختها ابن الثلاثة الاعوام : عندي كتاب جميل جدا فيه صور ربما سرك ان تتصفحه... علي ان اذهب الى القرية.
    تركت الانسة ماربل السيد سبينلو جالسا في الحديقة مع الكتاب ذي الصور وصعدت الى غرفتها فلفت ثوبا في قطعة من الورق البني بسرعة
    وغادرت البيت مسرعة الى مكتبالبريد.

    كانت خياطة الملابس الانسة بوليت تعيش في شقة فوق مكتب البريد ولكنالانسة ماربل لم تصعد الى الشقة على الفور كانت الساعة ما تزال الثانية والنصف فقط وبعد دقيقة واحدة ستصل حافلة ماتش بنهام امام مكتب البريد وقد كان وصولها يعد واحدامن الاحداث اليومية في قرية سينت ميري ميد اسرعت موظفة البريد خارج المكتب تحمل اكياسا،اكياسا تتعلق بالجانب التجاري من عملها حيث ان مكتب البريد كان يتعامل
    ايضا بالحلوى والكتب الرخيصة ولعب الاطفال.

    وبقيت الانسة ماربل في مكتب البريد وحدها نحوا من اربع دقائق ولم تصعد الى شقة الانسة بوليت الا بعد عودة موظفةالبريد الى موقعها وفي الطابق العلوي اوضحت للانسة بوليت انها تريد تغيير ثوبها الرمادي القديم بحيث تعمل منه طرازا جديدا ان امكن وقد وعدت الانسة بوليت ان ترى ما يمكن عمله.
    ----------------------------------------------
    دهش قائد الشرطة قليلا عندما حملوا له اسم الانسة ماربل . دخلت عليه وهي تعتذر قائلة : انا اسفة جدا ... اسفة جدا جدا على ازعاجك. اعرف انك مشغول جدا ولكنك كنت دوما شديد اللطف ياكولونيل ميلشيت وقد احسست ان من الفضل ان آتي اليك بدل المفتش سلاك لسبب واحد وهو انني اكره ان يقع الشرطي بولك في اية متاعب وبصراحة اظن انه كان يجب الا يلمش شيئاعلى الاطلاق.

    احتار الكولونيل ميلشيت بعض الشئ وقال : بولك؟ اليس هو شرطيالقرية؟ ماذا كان يفعل؟
    - لقد التقط دبوسا وكان مغروسا في سترته وقد خطر لي -وقتها- ان من المحتمل ان يكون قد التقطه عن الارض في بيت السيدة سبينلو.
    - تماما، تماما ولكن ما هو الدبوس في نهاية الامر؟ الواقع انه التقط الدبوس عن الارض قرب جثة السيدة سبينلو وقد جاء واخبر سلاك عنه بالامس... وقد فهمت انك انت التي دفعته للابلاغ عنه اليس كذلك؟ ما كان له ان يلمس شيئا بالطبع ولكن كما قلت ماهياهمية الدبوس؟ كان مجرد دبوس عادي... من النوع الذي تستخدمه اية امرأة.
    - آه لا يا كولونيل ميلشيت انت مخطئ في هذا. ربما بدا مجرد دبوس عادي في اعين الرجال ولكنه لم يكن كذلك كان دبوسا خاصا, دبوسا رفيعا جدا انه من النوع الذي تشتريه في علبة... النوع الذي يستخدمه الخياطون في الغالب.

    حدق ميلشيت إليها وقد بدا شئ منالفهم يراوده فأومأت الانسة ماربل براسها عدة مرات بلهفة وقالت : نعم بالطبع يبدولي الامر واضحا تماما لقد كانت القتيلة تلبس الرداء المنزلي الذي يسهل نزعه لانها كانت بصدد قياس ثوبها الجديد وقد ذهبت الى الغرفة الامامية حيث قالت لها الانسة بوليت شيئا ثم وضعت مترالقياس حول رقبتها... ثم لم يكن عليها الا ان تشده وهو امرسهل جدا كما سمعت! ومن شأنها بعد ذلك ان تخرج وتغلق الباب وتقف في الخارج تدقه وكأنها قد وصلت لتوها ولكن الدبوس يثبت انها كانت موجودة داخل البيت اصلا .

    - وهل الانسة بوليت هي التي خابرت سبينلو؟
    - نعم من مكتب البريد في الساعة الثانية والنصف قي الوقت التي تصل فيه الحافلة ويكون مكتب البريد خاليا .
    - ولكن ياسيدتي العزيزة لماذا؟ لماذا بالله عليك؟ لا يمكنك ان ترتكبي جريمةقتل دون وجود دافع.
    - اظن -من كل ماسمعته- ان الجريمه تعود الى زمن بعيد يا حضرةالكولونيل هذا يذكرني باثنين من اولاد اعمامي أنتوني وغوردن كان انتوني ينجح في كل عمل يقوم به ولكن المسكين غوردن كانت تجري على عكس مايريد دائما فكانت خيوله تكبو في السباقات واسعاراسهمه تنخفض وعقاراته تفقد قيمتها .وانا ارى ان الامرأتينمشتركتان في الامر معا.

    - اي امر؟
    - السرقة... منذوقت طويل سرقة مجوهرات زمرد ثمينة جدا كما سمعت . خادمة السيدة والخادمة غير المتفرغة لان شيئا واحدا لم يتم تفسيره... فعندما تزوجت الخادمة البستاني كيف حصلا على المال لافتتاح محل لبيعالزهور؟ الاجابة هي ان المال كان حصتها من ال... من الغنيمة وبعد ذلك كل شئ كانتتفعله كان ينجح والمال يصنع المال ولكن الاخرى خادمة السيدة كانت غير محظوظة دون شك إذ ساءت معها الامور الى حد اصبحت معه مجرد خياطة ملابس في قرية ! ثم التقتا ثانية واظن ان اللقاء كان طبيعيا تماما في البداية إلى ان ظهر السيد تيد جيرارد على مسرحالاحداث كانت السيدة سبينلو تعاني اصلا من وخز الضمير ولا شك ان هذا الشاب قد حثهاعلى ان (( تواجه نفسها )) وان تتطهر من ذنوبها واظن انها تابهت لفعل ذلك ولكن الانسة بوليت لم ترالامرعلى النحو كل ما رأته هو انها قد تدخل السجن بسبب سرقةارتكبتها منذ امد بعيد ولذلك فقد قررت ان تضع حدا لكل هذا واخشى انها كانت دائما امرأة شريرة ولا اظنها كانت ستهتم ابدا لو تم اعدام ذلك السيد اللطيف الغبي سبينلو.
    قال الكولونيل ميلشيت ببطء: يمكننا التحقق من نظريتك هذه... الى حدما. وذلك بمطابقة هوية الانسة بوليت هذه مع خادمة السيدة أبركرومبيولكن...
    طمأنته النسة ماربل : سيكون هذا سهل جدا انها من النوع الذي ينهار علىالفور إذا ما ووجهت بالحقيقة ثم انني احضرت متر القياس الذي تستخدمه. لقد... لقد اخذته بالامس عندما كنت اقيس ثوبا وعندما تفقده وتظن انه بيد الشرطة... فسوف ترى انه سيثبت القضية بطريقة ما. انها امراة جاهلة تماما !
    ابتسمت له مشجعة وقالت : أؤكد لك انك لن تجد اي مشكلة.
    كانت هذه نفس النبرة التي طمأنته بها عمتهالحبيبة ذات يوم عندما اكدت له انه لن يفشل في امتحان دخول كلية ساندهيرست .
    وقد نجح في الامتحان فعلا


    المفقودة أجاثا كريستي


    المفقودة

    ضغط بوارو قدميه على الأرض محاولاً تدفئتهما وتساقطت من شاربيه نقط من ذوبان الجليد وسمعطرقاً على الباب ظهرت بعده الخادمة كانت فتاة ريفية تميل إلى السمنة وأخذت تنظر بإستغراب إلى بوارو وكأنها لم ترا شخصاً على شاكلته من قبل ثم سألته قائله هل دققت الجرس ؟
    نعم أرجو أن تشعلي لي ناراً ؟
    فخرجت وعادت مسرعه تحمل ورقاً وأعواداً من الخشب وضعتها في الندفئه وبدأت تشعلها وراح بوارو يضغط على قدميه ويفرك يديهويقربهما من وهج النار
    لقد قطع مسافة ميل ونصف ميل في طريق وعر يكسوه الجليدوأضطر أن يمشي طوال هذه المسافه لتعطل سيارته حتى وصل إلى قرية هارتلي دن الواقعه على شاطئ النهر وهذه القريه مشهوره بجمالها في الصيف يفر منها الإنسان في الشتاء وروع باورو عندما أخبره صاحب الفندق أن في إمكانه أن يقدم له سياره أخرى يتم بها رحلته كيف يخرج على مألوفه ويستأجر سياره بينما هو يملك سياره وسياره غالية الثمن هو مصمم على العوده ها إلى المدينه؟وهو لن يعود إلى في الصباح حين يكون الجليد قد ذاب والسياره قد تم إصلاحها
    مد بوارو قدمية بالقرب من المدفئه وهو يمسك بيده قدحاً متواضعاً يرشف منه سائلاً أسود قيل أنه قهوه ولاكن لهب النار وحرارتها جعلته يشعر كأنه في جنة الخلد حتى نسي الطعام الرديء الذي أكله والقهوه القذرة التي كان يشربها
    وطرقت الخادمه الباب ودخلت وهي تقول رجل من ورشة الإصلاح يريد مقابلتك ياسيدي
    دعيه يدخل
    دخل شاب عليه مسحة من الوسامهوالبساطه وقال لقد فحصت العربه وعرفت الخلل الذي بها وسوف يستغرق إصلاحه نحو ساعه
    ماهو ذالك الخلل؟
    راح الشاب يتكلم عن أشياء فنيه لاتهم بوارو كثيراً وأخذ هذا يهز رأسه كأنه منتبه لمايقوله الشاب بينما هو في الحقيقه غبر ملم بكلامه وأخذت عيناه تضيقان قليلاً ثم قال :لقد فهمت نعم فهمت لأن سائق سيارتي أنبأني بكل ما قلت
    فرأى حمرة الخجل تعلو وجه الشاب الذي تناول القبعه بيده في شيء من الإضطراب وسمعه بوار ويقول :نعم سيدي أنا أعرف
    فأجاب بوارو :أستحسنت ن تحضر بنفسك لتخبرني بالمطلوب
    نعم سيدي لقد فضلت أن أحضر بنفسي
    فقال بوارو:أشكر لك عنايتك الزائده
    كانت هذه الكلمات تحمل معنى الإذن لشاب بلإنصراف ولا كنه لبث واقفاً في مكانه أمسك بقبعته وتنحنح ثم قال بنبرات
    يضهر فيها الإرتباك:أستميحك عذراً ياسيدي ألست أنت السيد بوارو الشرطي السري الخاص المعروف؟
    نعم أنا بوارو
    احمر وجه الشاب وقال:لقد قرأت عنك مرة في الجرائد
    نعم
    فتغير وجه الشاب وانتبه بوارو فقال له :نعم ولاكن لماذا تسألني ؟
    أخشى أن تضن أن اضطرابي إنما هونتيجة خوف ولاكن الحقيقه أن حضورك الفجائي إلى هنا وما سبقه من ذيوع لشهرتك في تحقيق الجنايات وقرائتي شيئاً عنها في الجرائد كل هذا جعلني ارغب في سؤالك أمراً هل ثمة مانع؟
    فهز بوارو رأسه وأجاب :هل تريد مني أن أساعدك في شيء ما ؟
    فقال الشاب متردداً :نعم نعم سيدة شابة أرجو البحث عنها ؟
    البحث عنها؟هل أختفت؟
    نعم ياسيدي لقد أختفت

    اعتدل بوارو على كرسيه وقال بحدة:يمكنني أن أساعدك ولكني أفضل أن تذهب إلى
    رجال الشرطه لأن وسائلهم أكثر يسراً
    -لايمكنني أن أفعل ذالك ياسيدي لأن المسألة لها طابع خاص
    حملق فيه بوارو وأشار له بالجلوس وقال:حسناً ما اسمك إذن؟
    تيد ليمسون ياسيدي
    اجلس ياتيد وأخبرني بكل شيء
    شكره الشاب وجلس على حافة المقعدفقال له بوارو بهدوء: أخبرني
    تنهد الشاب بعمق وقال:لم أرها غير مرة واحده ولم أعرف اسمها ولا حقيقتها
    فقال بوارو:اسرد علي القصه من أولها لا تتعجل أخبرني بكل ما حدث لك
    حسناً سيدي لعلك تعرف نادي جرسلون الواقع على شاطيء النهر بالقرب من القنطرة؟
    لا أعرف شيئاً على الإطلاق
    يملك هذا النادي السير جورج ساندرفليد يقضي فيه عطلة الأسبوع في الصيف مع جمهرة
    من الممثلات وبعض أصدقائه للهو وقداستدعيت في شهر يونيو الماضي لإصلاح خلل بالراديو
    هز بوارو رأسه واستمر الشابيقول:ذهبت في الحال وكان صاحب القصر على شاطئ البحر مع
    ضيوفه والطباخ قد خرج لبعض شؤونه فلم أجد سوى مساعده يعد المائده للغداء
    وإحدى الوصيفات وأخذتني الوصيفه إلى مكان الجهاز وجلست بجواري أثناء قيامي بإصلاحه
    وتحدثنا بالطبع سوياً كان اسمها فاليتا حسب قولها وقالت إنها وصيفة لراقصه روسيه
    كانت مع الضيوف حينذاك
    ماهي جنسيتها ؟هل كانت إنجليزيه؟
    كلا ياسيدي بل أظن أنها فرنسية ففينبرات صوتها عذوبة وظرف وهي تجيد الإنجليزيه
    وتوطدت بيننا الصداقة فدعوتها لتذهب معي إلى السينما ولاكنها اعتذرت إذ ربما تحتاج إليها سيدتها
    ثم عادت وقبلت دعوتي بعد ان حددت الموعد المناسب لها كانت نزهة جميلة على شاطئ النهر
    ثم صمت الشاب قليلاً وارتسمت على شفتيه ابتسامة عذبة
    وغامت في عينيه لمحة من الذكريات فقال بوارو بهدوء:هل كانت جميلة؟
    لم أر في حياتي شيئاً أحب إلي قلبي منها إلى قلبي لن أنسى شعرها الذهبي
    وهو يتماوج مع النسيم كأنه أجنحة ذهبية ولا ظرف حديثها وعذوبةصوتها
    لقد أسرتني بجمالها وأصبحت لا أريد من هذا الوجود شيئاً سواها

    فهز بوارو رأسه,واستمر الشاب يقول :لقد وعدتني بقضاء لحظة ممتعة أخرى عندما
    تحضر مع سيدتها في المرة القادمة بعد أسبوعين ,ولكنها لم تحضر إلى مكاننا الموعود
    وانتظرتها طويلاً بغير جدوى ,وعندما يئست تجرأت وذهبت إلى النادي وسألت عنها, فقيل لي إن الراقصة الروسية قد حضرت ومعها خادمتها وبعد قليل جاءتني خادة دميمة الخلق بدينة الجسم وقالت إن أسمها ماري أما الوصيفه السابقه
    فقد طردت .وكدت أصعق وأسقط في يدي , فماتت الكلمات على شفتي وعدت أدراجي
    ولاكني تشجعت وعدت ثانية أسأل ماري عن عنوان نيتا ووعدتها بمكافأه سخيه, فعادت بعد قليل تخبرني أنها في شمال لندن,فأرسلت إليها خطاباًرده إلي مكتب البريد بعد بضعة أيام
    ثم أردفته بأخر فكان حضة مثل حض الأول .
    ثم صمت لحظة ونظر إلى بوارو بعينيه الغائرتين وقال:أظن أنه يتبين لك مما ذكرت أن مسألتي لا تصلح للعرض على
    الشرطة, وأنا مستعد أن أدفع لك عشر جنيهات إذا استطعت الحصول على فتاتي.
    قال بوارو :لا ضرورة لأن نتناول الناحية المالية الأن, ولاكن أريد أن أسألك سؤال واحداً:هل هذه الفتاة المدعوة نينا تعرف اسمك وعملك؟
    -نعم ياسيدي
    -هل في إمكانها الاتصال بك إذا أرادت؟
    -نعم
    -هل تظن أنها ربما..
    فقاطعه تيد قائلاً:أظنك تعني ياسيديأنها لاتحبني كما أحببتها ؟ربما.فقد فكرت في هذا طويلاًوأنا واثق أنها كانت تميل لي.لابد أن يكون هناك شيء شغلها فقد كانت تعيش في بيئة سيئة ولعلها تورطت في بعضالمتاعب هل تفهم ما أعني؟
    _لعلك تريد أن تقول إنها ستضع طفلاً عما قريب هل هو منك؟
    -كلا ياسيدي ,فلم تكن بيننا علاقة أثمة.
    نظرإليه بوارو طويلاً وقال:إذا كان ما تظنه حقيقة,فهل لا تزال راغباً في العثور عليها؟
    احمر وجه تيد وقال :نعم,وأريد أن أتزوجها إذا شاءت
    ولا يعنيني ما تكابده الأن.أرجوك ياسيدي أن تجدها لي وحسب
    فابتسم بوارو وقال لنفسه:شعر كأجنحة ذهبية ...سيكون الكشف عن هذه المسألة من المعجزات

    الفصل لثاني:
    نظر بوارو في ورقة مكتوب فيها عنوان الأنسة نيتا فاليتا
    ((17وينفرولين,رقم15))وهولا يدري إذا كان العنوان الذي قدمه إليه تيد سيهديه إلى ضالته. ذهب إلى المنزل رقم15
    المذكور ففتحت له الباب امرأة بدينة فسألها:الأنسة فاليتا؟
    -لقد تركت هذه الدار منذ عهد طويل
    فتقدم بوارو خطوة إلى داخل المنزل وقال :هل يمكنك أن تعطيني عنوانها؟
    -لا,فهي لم تتركه لنا
    -متى رحلت عن هذه الدار ؟
    -في الصيف الماضي.
    -هل يمكنك أن تخبريني بالتحديد؟
    وهنا سمع رنين نقود في يد بوارو ,فسال لعاب المرأة واختفى عبوسها ثم قالت:أوأكد لك ياسيدي أنني أريد مساعدتك . ربما كان ذالك في شهر أغسطس . أعتقد أنه قبل هذا التاريخ ,نعم في شهر يوليو ,فقد رحلت مسرعة في الأسبوع الأول من يوليو,رحلت إلى إيطاليا على ما أظن.
    -إذن هي إيطالية؟
    -نعم ياسيدي
    -وكانت في وقت ما وصيفة لراقصة روسية؟
    -هذا صحيح.إنها مدام ساموشينكا , وكانت ترقص في ملهى تيسبيان , وقد غزت قلوب رواد الملهى.
    فقال بوارو:هل تعرفين لماذا تركتها الأنسة فاليتا ؟
    فترددت المرأة قليلاًثم قالت:لا أعرف ,لعلها قد طردت ربما حدث بينها وبين سيدتها شيء لم تفصح فاليتا عنه.
    ولاكنها كانت شديدة الغضب ولعلها لم تدع الأمور تمضي بسلام, فهي بطبيعتها الإيطالية الحادة وعينيها السوداون لا تحجم إذاغضبت من أن تطعن خصمها بسكين, ولهذا لم أكن أعارضها عندما تثور
    -هل تجزمين بأنك لا تعرفين عنوانها الحالي ؟
    ورنت النقود في يده ثانية,فتشجعت وردت:أشعر برغبة في مساعدتك ,ولاكنها رحلت على جناح السرعة .وهناك قال بوارا في نفسه:نعم هناك
    الفصل الثالث:
    كان امبروز فاندل منهمكاً في عمل التصميمات اللازمة لحفلة الرقص المقبلة عندما التفت إلى بوارو وقال له :ساندرفيلد؟
    جورج ساندرفيلد,ذلك الثري المعروف .إنه رجل سيء السمعة وله علاقة مع الراقصة كاترينا ساموشينكا .هلرأيتها؟إنها فاتنة جداً
    -هل توجد علاقة بين هذه الراقصة وساندرفيلد؟
    -نعم فقد اعتاد أن تقضي معه عطلة الأسبوع في قصره القائم على ضفة النهر حيث يقيم حفلات ضخمة
    -هل يمكنك أن تعرفني بالأنسة ساموشينكا؟
    -أنا أسف ,فقد رحلت إلى باريس فجأة إذأشيع عنهاأنعا جاسوسة روسية,ولكنني لم أصدق ذلك لأنها تبغض الشيوعيين
    وتدعي أنها من اروس البيض وابنة أحد أمرائهم

    الفصل الرابع

    كان السير جورج ساندر فيلد قصير القامة غليظ العنق ,وقد قابل بوارو بشيء من الفتور
    وسأله:ماذا يمكنني أن أفعل لك؟
    نحن لم نلتق قبل الأن.
    فأجابه بوراو:نعم نحن لم نلتق قبل الفعلاً
    -إذن فماذا تريد؟
    -المسألة بسيطة ,أريدالحصول على معلومات تاففهة جداً
    ضحك السير ساندرفيلد على الرغم منه ورد:أتريد أن أفضي إليك بمعلومات تفيدك في شؤونك المالية؟
    ليست المسألة خاصة بالشؤون المالية ولكنها متعلقة بإمرأة
    -امرأة
    -أظنك كنت صديقاً للأنسة كاترينا ساموشينكا؟
    ضحك السير ساندرفيلد وقال:نعم فتاة ساحرة ولكنها رحلت من لندن مع الأسف
    لماذا رحلت؟
    لا أدري ويؤسفني إني لا أستطيع مساعدتك لا نقطاع الأسباب بيني وبينها
    فقال بوارو :ولاكن أمر الأنسة ساموشينكا لا يعنيني
    -من تريد إذن؟
    -وصيفتها لعلك تذكرها
    لاح عليه الضيق والحرج وأجاب:كيف أذكر ذلك ؟أنا أفهم أنها دائماً تحتفظ بإحدى الوصيفات وكانت عندها وصيفة لا تعرف الصدق أبداً
    فقال بوارو :يلوح لي أنك تعرف عنهاالكثير
    -كلا وإنما هي ذكريا باهتة فأنا لا أتذكر اسمها
    ربما كان ماري أو أي اسم أخر ولهذا أجدني لا أستطيع مساعدتك في الوصول إليها.
    قال بوارو بهدوء: لقد حصلت على اسم الوصيفة من ملهى تيسبيان وهو ماري هيلين غير أنني أتحدث عن وصيفة مدام ساموشينكا السابقة وهي نيتا فاليتا.
    حملق السير ساندرفيلد وقال:لا أذكرها مطلقاً ولكن ماري هي الوصيفة التي أذكرها دكناء اللون عمشاء العينين.
    فقال بوارو :الفتاة التي أعنيها كانت في قصرك المسمى جرسلون في يونيو الماضي.
    -حسناً كل ما أستطيع أن أذكره لك هو أنني لا أتذكر هذه الوصيفة ولا تصدق أنها كانت تصحب معها وصيفة لعلك مخطىء ياعزيزي
    فهز بوارو رأسة لأن يظن أنه لم يكن مخطئاً

    الفصل الخامس
    ألقت ماري هيلين على بوارو نظرةهادئة ثم كر بصرها إليه بلمحة سريعة فقالت :أذكر تماماً أنني أشتغلت عند مدام ساموشينكا
    في الأسبوع الأخير من شهر يونيو لأن وصيفتها السابقة قد رحلت فجأة
    -ألم تسمعي عن سبب رحيلها الفجائي؟
    كل ما أعرفه أنها رحلت فجأه ربما كان ذلك بسبب المرض أو أي سبب أخر لا أعلمه لأن السيدة لم تذكر عنها شيئاً
    -هل كنت تستريحين لخدمة مدام ساموشينكا؟
    هزت الفتاة كتفيها وأجابت :لقد كانت غريبة الأطوار تبكي وتضحك في أن ثم تبتهج وتبتئس في أن أخر لا يمكن معرفة طباعها إنها كمعظم الراقصات هكذا خلقن
    سألها بوارو:وما رأيك في السير جورجسانرفيلد؟
    فغامت في عينيها سحابة حزن وأسى وقالت:لعلك تريد أن تعرف شيئاً عنه؟يمكنني أن أخبرك عنه أموراً غريبة
    فقاطعها بوارو قائلاً:ليس ضرورياً
    فنظرت إليه فاغرة الفم يتطاير من عينيها شررالغضب الممزوج باليأس
    الفصل السادس
    إنني أقول عنك دائماً أنك لا تجهل شيئاً أليكس بافلو فيتش.
    قال بوارو هذه العبارة للكونت بافلوفيتش صاحب مطعم ساموفار بباريس يتملقه ويسترضيه لأن البحث عن ضالته المنشودة كان يتطلب منه سفراً طويلاً
    وجهوداً شاقاً مضنياً , ولاكن بابلو فيتش يمكن أن يوفر عليه ذلك لأنه يزعم أنه لا تفوته شاردة ولا واردة في دنيا الفنانات والراقصات
    فهز الرجل رأسه وقال:نعم ياصديقي ,أنا أعرف كل شيء حقيقة .أنت تسألني أين ذهبت الحسناء ساموشينكا الراقصة الفاتنة التي تأسر قلوب الرجال ؟لقد تفوقت على قريناتها في العالم كله ثم اختفت فجأة وسوف ينساها الناس.
    فسأله بوارو :أين هي الأن؟
    -في سويسرا .لقد ذهبت إلى هناك للاستشفاء من داء ذات الرئة الذي أضعف جسمها وأذوى عودها حتى أصبحت كالأموات.
    تنحنح بوارو وسأله:ألم تعرف وصيفتها المدعوة نيتا فاليتها؟
    فاليتا؟نعم ,أذكر أنني رئيتها ذات مرة حينما كنت أودع ساموشينكا عند سفرها إلى لندن إنها إيطالية من بلدة بيزا أليس كذلك؟
    فتمتم بوارو لنفسه:إذن يجب أن أرحل إلى بيزا


    الفصل السابع
    وقف بوارو في مقبرة كاميو سانتو ساكناً خاشعاً ففي أحد قبورها ترقدضالته المنشودة .تلك الفتاة المرحة التي خلبت لب ذلك الشاب الإنجليزيالساذج
    هكذا ختمت قصتها الدامية, وستبقى صورتها حيه في خيال ذلك الشاب المسكين
    الذي لم ينعم بقربها سوى لحضة يسيرة في إحدى أمسيات شهر يونيو الماضي
    وهز بوارو رأسه في أسف عميق, وتوجه بالحديث إلى عائلتها الحزينة,فتحدث مع والديها الريفيين اللذين هدهما الحزن
    وشقيقتها التي أحالها الوجد والأسى هيكلاً أدمياً .قالت أمها الثكلى :لقد خطفها الموت ياسيدي كانت بيانكا تشكو من الزائدة الدودية, وقد رأها الطبيب أخيراً فصمم على نقلها إلى المستشفى فوراً لإجراء جراحة سريعةلإزالة الزائدة الدودية
    وكأنما كان شبح الموت يتربص لها هناك ,ففاضت روحها أثناء العملية وهي في غيبوبة من تأثير البنج
    وتمتم بوارو لنفسة:كانت نيتا دائماً ماهرة ذكية ومن المحزن أن تموت في هذه السن المبكرة وستكون الرسالة التي سأحملها إلى حبيبها المسكين((إنها لم تعد لك فقد ماتت))
    الفصل الثامن
    أرخى الظلام سدوله ولم تعدلزهور الربيع نضرتها وبهجتها ولكن الربيع(وهو موسم الحياة وعيد الشباب)له في النفوس دفعة وفي الأبدان حركة فهل يقنع بوارو بهذه النتيجة ؟لا يزال الشك يداعب خياله فتنهد طويلاً واستقر رأيه -في النهاية -على السفر إلى جبال الألب السويسرية ليحسم هذه الشكوك.
    هو الأن عند نهاية الدنيا حيث يغطي ركام الجليد كل شييء وهذه الأكواخ المبعثرة هنا وهناك وتحوي هياكل أدمية تصارع الموت .
    وصل أخيراً إلى كوخ كاترينا ساموشينكا ,فرأها ممددة في فراشها غائرة العينين والخدين وقد أخرجت من تحت غطائها ذراعين هزيلين لقد أثار هذا المنظر شجونه لقد نسي أسمها ولكنه لم ينس رقصاتها الفتية الرائعة
    تذكر ميشيل نهوفجين في رقصة الصياد يداور طريدته حيناً ويطاردها أحياناً في تلك الغابة السحرية التي أخرجتها عبقرية أمبروز فاندلللمشاهدين كغابة حقيقية على خشبة المسرح
    وتذكر الطريدة ..ذلك الغزال بقرنيهالذهبيتين وقدميه البرونزيتين يهرب من قناصه في خفة ورشاقة .تذكر ذلك الغزال حين صرعه القناص فسالت دماؤه ,وتذكر ميشيل نوفجين وهو يقف نادماً أمام غزاله الجريح فيأخذه من بين يديه كالواله المشدوه...
    ونظرت ساموشينكا وهي في فراشها إلى بوارو ثم قالت:
    لم أرك قبل الأن ماذا تريد مني؟
    فانحنى بوارو قليلاً وقال:أشكر لكياسيدتي أولاً فنك الرفيع الذي أتاح لي رؤيتك في إحدى الليالي
    فابتسمت ابتسامة ضعيفة, وقال بوارو :جئت هنا لأبحث عن نيتا وصيفتك القديمة
    فاتسعت حدقتا ها وسألته في دهشة :ماذا تعرف عن نيتا؟
    -سأخبر يا سيدتي
    وروى لها قصة الميكانيكي تيد من أولها إلى أخرها وهي تصغي إليه بانتباه,وحين انتهى قالت:إنها مأساة مأساة مؤثرة حقاً
    فهز بوارو رأسه وقال :نعم إنها مأساة . ماذا تعلمين عن هذه الفتاة ياسيدتي؟
    قالت ساموشينكا وفي نبراتها حزن ظاهر:كانت عندي وصيفة تدعىجانيتا ,مرحة الطبع طيبة القلب ,فحدث لها ما يحدث لأمثالها الغريرات فاغتالها الموت وهي صغيرة.
    فأثارت هذه العبارة فضوله وسألها :هل ماتت؟
    -نعم ماتت
    وبعد لجظة سألها ثانية :ولكن هناك شيئاً واحداً غاب علي فهمه, وهو أنني حينما سألت السير جورج ساندرفليد عن فتاتك بدا عليه الاضطراب لماذا؟
    فظهرت على وجه الراقصة علاماتالامتعاض وقالت:ربما يكون قد اعتقد أنك تعني ماري التي خلفت جانيتا ,وقد حاولت تلك الفتاة ابتزازه لأمور لاحظتها عليه,فقد كان من عادتها التجسس على أخبار الناس وقراءة رسائلهم
    وبعد أن صمت بوارو لحظة سألها :إذن فقد كانت فاليتا تحمل اسماً أخر وهو جانيتا؟ وهي أيضاً قد ماتت في بيزا على إثر عملية استئصال الزائدةالدودية
    فقالت الراقصة بعد شيء من التردد :نعم هذه الحقيقة
    فقال بوارو:ولاكن أهلها يذكرونها باسم بيانكا
    فهزت ساموشينكا كتفيها وأجابت :بيانكا جانيتا ...هذه مسألة لا تهمني ولكني أظن أنها أستظرفت الاسم فأطلقته على نفسها
    -أنت تظنين ذلك ولكنني أظن أن في المسألة سرأ؟
    ماهو؟
    انحنى بوارو وقال : الفتاة التي وصفها لي تيد كانت ذات شعر كالأجنحة الذهبية
    ثم دنا من ساموشينكا ولمس شعرها بيديه وتابع كلامه:
    أجنحة ذهبية أوقرون من ذهب ... أجنحة كتلك التي كنت تبدين فيها ملاكاً أو شيطاناً , والقرون كتلك القرون الذهبية
    كقرون ذلك الغزال الجريح
    سألت كاترينا بصوت يائس حزين:الغزال الجريح؟
    فرد بوارو :لا يزال وصف تيد ليمسون يلقي في روعي حيرة بالغة هذه الحيرة مصدرها أنت...أنت حينما كنت ترقصين بقدميك البرونزيتين في الغابة هل أخبرك بما يساورني يا أنستي؟
    أظنك أمضيت أسبوعاً من غير أن تكون في خدمتك وصيفتك وفي خلال هذا الأسبوع سافرت إلى جرسلون لأنبيانكا فاليتا كانت قد تركتك وعادت إلى إيطاليا حيث ماتت في مقتبل العمر
    إثر عملية جراحية . وكنت لم تحصلي على وصيفة جديدة وقد شعرت في ذلك اليوم بأعراض المرض فلم ترافقي الضيوف إلى شاطيء النهر بل بقيت وحيدة في المنزل وسمعت الجرس يرن وذهبت لتنظري من القادم .هل أخبرك من كان ذلك القادم؟
    كان شاباً في برائة الأطفال وجمال أبطال الأساطير ,فانتحلت أمامه لا أسم فاليتا ...بل أسم نيتا فاليتا ثم عشت وإياه بضع ساعات في الفردوس...
    وهنا ساد بينهما سكون عميق , أجابت بعده كاترينا بصوت أجش:لعلك على حق , ومصداقاً لقصدك فإن نيتا ستموت أيضاً في مقتبل العمر.
    فقال بوارو وهو يضرب المنضدة بيده:كلا لن تموتي يجب أن تكافحي من أجل الحياة الجميلة
    فهزت رأسها في يأس وحزن ثم أجابت :ولاكن أي حياة تنتظرني؟
    -ليست حياة المسرح ولكنها حياة أخرى.تعالي معي يا أنستي , وأرجو أن تصدقيني القول :هل كان أبوك أميراً أو دوقاً أو جنرالاً عظيماً؟
    فضحكت وأجابت :بل كان سائق شاحنة في لينغراد
    -حسناً ولماذا لا تكونين زوجة لذلك الميكانيكي القروي وتنجبين منه أطفالاً حساناً؟
    فامسكت كاترينا أنفاسها ثم أجابت :إنها لفكرة خيالية
    فقال بوارو :وأنا أظن أنها ستتحق.




    ثلاثة عشر لغزاً

     أجاثا كريستي



    نفخ ريموند وست سحابة من الدخان وكرر الكلمات بشئ من السرور الواعي المعتمد : الغاز لم تحل !

    نظر حولة راضياً كانت الغرفة قديمة ذات اعمدة سوداء عريضة تمتد تحت سقفها , وقد فرشت بأثاث من النوع الجيد القديم الذي يلائمها , ومن هنا جاءت نظرة الاستحسان فى عينى ريموند وست .

    كان ريموند وست يمتهن الكتابة , ويحب ان يكون فى أجواء لا يعيبها أوينقص منها شئ .وقد كان بيت خالتةجين ماربل يسره دوماً باعتباره افضل اطار لشخصيتها . نظر إليها حيث تجلس أمام الموقد منتصبة الجذع فى كرسي ضخم وثير:كانت ترتدي ثوباًاسود مقصباً ضيقاً جداً عند الخصر , _فى الجزء الامامي منه _ شريط زركشة متموجاً من كتفيها حتى الخصر , وقفازاً أسودموشحاًوتضع فوق شعرها الثلجي الناعم قبعة سوداء مزركشة أيضاً. وكانت تحوك قطعة من الصوف الناعم الأبيض . أما عيناها الزرقاوان الغائمتان ,الممتائتان رقة ولطفاً,فقد استعرضتا بشئ من السرور ابن اختها وضيوفة . استقرت عيناها أولاً على ريموند نفسه ببهجته وانطلاقه, ثم انتقلتا إلى جويس ليمبرييه الفنانة ذات الشعر الكثيفالأسود والعينين الخضرواتين الغربتين , ثم انتقلت عيناها الى ذلك الرجل المتزين الذي عركته الحياة السير هنرى كليذريغ . وكان فى الغرفة شخصان اخران : الدكتور بيندر , ورجل الدين الكهل , والسيد بيثيريك المحامي , وهورجل ضئيل الجسم , يضع نظارات ينظر من فوقها لا من خلا لها .أولت الانسة ماربل لحظات انتباه قصيرة لكل هؤلاء ثم عادت إلى حياكتها وعلى شفتيها ابتسامة رقيقة .

    أطلق السيد بيثريك تلك النحنحة الجافة التى يبدأ بها كلامة دوماً وقال: ماهذا الذي تقولة ياريموند ؟ ألغاز لم تحل ؟هاه ... ماذا عن تلك الألغاز؟

    قالت جويس ليمبريية : لاشئ , إن ريمونديحب فقط صوت هذه الكلمات,ويحب سماع نفسه وهو يقولها .

    رماها ريموند بنظرة يأنيب جعلتها ترمى برأسها إلى الخلف وتضحك , ثم قالت للانسة ماربل: إنه دجال , أليس كذلك ياانسة ماربل ؟أنا واثقة أنك تعلمين ذلك؟

    ابتسمت الانسة ماربل بلطف دون الإجابة بشئ.

    قال الكاهن بتجهم : الحياة نفسها لغز لم يحل .

    اعتدل ريموند فى جلستهونفض لفافته بحركة مفاجئة وقال:ليس هذا ما أعنية . لم أكن ألقي حكماًفلسفية ,بل كنت أفكر بحقائق واقعية مجردة ملء السمع والبصر .حقائق وقعت ولم يفسرها أحد أبداً.

    قالت الانسة ماربل :أعرف ياعزيزي بالضبط أنواع الأمور التى تعنيها .السيد كاروثرز_مثلاً_ تعرضت لتجربة بالغة الغراية بالأمس , فقد اشترت أوقيتين من الروبيان النتقى من محل إليوت, ثم مرت على محلين اخرين , وعندما وصلت ألى البيت وجدت أن الروبيان لم يكن معها .عادت ألى المحلين اللذين مرت بهما , ولكن الروبيان اختفى تماماً .هذا يبدو لي أمراً ملفتاً جداً للنظر.

    قال السيد كليذريعغ بتجهم : قصة مريبة جداً

    قالت الانسة ماربل وقد احمرت وجنتاها قليلاًمن الانفعال : توجد طبعا أنواع عديدة من التفسيرات الممكنة لهذا الأمر , أذ ربما كان أحهم مثلاً...

    قاطعها ريموند وست قائلاً بشئ من السرور: ياخالتى العزيزة ,أنا لم أقصد هذا النوع من الأحدث التى تقع فى القرى , بل كنت أفكر بجرائم القتل والاختفاء ,بمثل تلك الجرائم التي يمكن للسير هنرى ان يحدثنا عنها طوال أن أراد ذلك .

    قال السير هنرى بتواضع : ولكنى لست ممن يسهبون في الحديث عن مهنهم , أنا لاتحدث عن مهنتى أبداً.

    كان السير هنرى كليذريغ حتى وقت قريب أحد كبار الضباط فى شرطة سكوتلانديارد. قالت جويس ليمبرييه: أحسب أن كثيراً من جرائم القتل وغيرها لم تجد له الشرطة حلاً أبدأً.

    قال السيد بيثيريك: تلك حقيقة يعترفون بها كما أظن .

    قال ريموند وست : غننى أتساءل : ترى أي نوع من الأدمغة هو الذي ينجح حقاً فى كشف الألغاز ؟ فالمرء يشعر دوماً بأن الافتقار غلى الخيال كثيراً ما يعوق رجل الشرطة العادي.

    قال السير هنرى ببرود : تلك هي وجهة نظر الرجل العادي.

    علقت جويس مبتسمة : إذاا حتاج المرء علم نفس وخيال فليلجأ غلى الكتاب.......

    ثم قامت بانحناءة ساخرة لريموند, ولكنه ظل جدياً وقال بتجهم: إن الفن الكتابة يعطى المرء بصيرة تنفد إلى النفس البشرية , وربما رأى المرء عندها دوافع من شأن الرجل العادي أن يغفلها.

    قالت الانسة ماربل : أعرف ياعزيزي أن كتبك تدل على ذكاء لامع , ولكن هل تعتقد حقاً أن الناس كريهون إلى تلك الدرجة التى تصورها فى كتاباتك؟

    _ياخالتى العزيزة ! احتفظى بمعتقداتك لنفسك ,فليس لي أنا أن أفندها لاسمح الله .

    قالت الانسة ماربل وهي تقطب جبينها قليلاً وتعد الغرزات فى الصوف الذى تحوكه: ماأعنيه هو أن الكثير من الناس لايمكن تصنيفهم بين الصالح والطالح كمايبدو لي , بل يكونون _ببساطة_ سذجاً سخفاء.

    أصدر السيد بيثريك نحنحه الجافة ثانية وقال: ألاترى ياريموند أنك تولى أهمية كبيرة للخيال؟ إن الخيال صفة خطيرة جداً كما نعرف نحن المحامون حق المعرفة . إن القدرة على غربلة الأدلة بموضوعية وأخد الحقائق والنظر إليها كحقائق هو مايبدو لي الطريقة المنطقية والوحيدة للوصول إلى الحقيقة .ويمكن أن أضيف _من واقع خبرتي_ أنها أيضاً الطريقة الوحيدة الناجحة .

    صاحت جويس وهي تقدف برأسها إلى الخلف بسخط :ياه ! ألااهن على أن بوسعى أن أغلبكم جميعاً فى هذه اللعبة , فأنا لست امرأة فقط ولكم ان تقولوا ما تشاؤون ولكم للمرأة حدساً لايملكه الرجل) بل إننى فنانة أيضاً . أناأرى أشياء لاترونها أنتم , كما أننى _بحكم عملي كفنانة _ خبرت كل أنواع الناس وظروفهم . إننى أعرف الحياة بشكل لايمكن للانسة الحبيبة ماربل أن تعرفه وهي تعيش فى هذه القرية الصغيرة .

    قالت الانسة ماربل : ربما كنت على حق ياعزيزتي , ولكن أموراً شديدة الإيلام والإزعاج تحدث فى القرى أحياناً.

    ابتسم السيد بيندر وقال : أيمكن لي أن أتكلم ؟ أعلم أن سمة هذه الأيام هي التصغير من شأن رجال الدين , ولكننا نسمع أشياء ونعرف جانباً من الشخصية الإنسانية يشكل كتاباً مبهماً للاخرين.

    قالت جويس : حسناً ,يبدو لي أننا نشكل تجمعاً واسع التمثيل . ماذا لوشكلنا منتدى ؟ ماهو اليوم ........الثلاثاء ؟ سوف نسميه" منتدى الثلاثاء" . سنلتقى كل أسبوع , ويطرح كل عضو منا مشكلة بدوره ........ لغزاً يكون قد عرفه شخصياً وعرف حله بالطبع .لنر... كم عددنا نحن ؟ واحدد, اثنان ,ثلاثة , أربعة , خمسة . ينبغى لنا أن نكون ستة .

    قالت الانسة ماربل بابتسامة عريضة: لقد نسيتنى ياعزيزتى.

    فوجئت جويس قليلاً لكنها أخفت ذلك بسرعة وقالت :سيكون ذلك رائعاً ياانسة ماربل ,لم يخطر لي انك مهتمة باللعبة .

    قالت الانسة ماربل : أظنها ستكون ممتعة جداً , خاصة بحضور العديدمن السادة الأذكياء كهؤلاء . أخشى أن لاأكون ذكية شخصياً , ولكن العيش طوال هذه السنين فى قرية سينت ميري ميد يعطى المرء بصيرة نافذة بالطبيعة الإنسانية .

    قال السير هنرى بلباقة : انا واثق أن مساهمتك ستكون قيمة جداً.

    سألت جويس : من الذي سيبدأ؟

    قال السيد بيندر: لا أظننا سنختلف فى ذلك ,فعندما نحظى بهذا الحظ العظيم فى وجود رجل بارز بيننا مثل السير هنرى ......

    ترك جملته دون إنهائها وانحنى بلباقة باتجاه السير هنرى .بقى السير هنرى ساكتاً للحظات ,ثم تنهد أخيراً وأعاد شبك ساقية وبدأ حديثة : من الصعب قليلاً عليّ اختيار ذلك النوع تحديداً من الألغاز التى تريدونها , ولكن أظن أننى أعرف حالة تناسب هذه الموصفات بشكل رائع . ربما كنتم قدرر أيتم ذكراً لتلك القضية فى الصحف قبل عام مضى , وقد تم فى حينها حفظ القضية بااعتبارها لغزاً لم يحل ,ولكن الحل وقع بين يدي فى الحقيقة قبل عدة أيام .

    إن الحقائق القضية بسيطة جداً : ثلاثة أشخاص يجلسون لتناول عشاء يحتوى على جراد البحر المعلب . وفى وقت لاحق من تلك الليلة يقع ثلاثة مرضى , ويتم استدعاء الطبيب على وجه السرعة .يشفى اثنان من ثلاثة ويموت الثالث .

    أطلق ريموند آهة استحسان فيما مضى السير هنرى قائلاً : وكما قلت فإن الحقائق بصيغتها تلك كانت بسيطة جداً .فقد عزيت الوفاة غلى تسميم الغدائي وأصدرت شهادة بهذا المعنى , وتم دفن الضحية حسب الأصول .ولكن الأموار لم تقف عند هذالحد .

    أومأت الانسة ماربلبرأسها تفهماً وقالت : انتشرت أقاويل كما أظن , فهي عادة ماتنتشر.

    مضى السير هنرى قائلاً : والآن عليّ أن أصف شخصيات هذه المأساة . سوف اسمى الزوج وزوجته السيد والسيدة جونز , ومرافقة الزوجة الآنسة كلارك . كان السيد جونز بائعاً جوالاً كثير السفر لشركة تصنع الأدوية , وكان رجلاً وسيماً بطريقة مظهرية خشنة , فى نحو الخن من عمره . وكانت زوجته امرأة عادية تقريباً فى نحو الخامسة والأربعين من عمرها. أما مرافقة, الآنسة كلارك , فقد كانت امرأة فى الستين من عمرها , بدينة ظاهرة البهجة ذات وجه محمر دائم الابتسام . بوسعكم القول إن أياً منهم لم يكن شخصية بالغة الأهمية .

    وقد بدأت المتاعب بطريقة غريبة جداً . كان السيد جونز مقيماًفى الليلة التى سبقت الحادثة فى فندق صغير فى مدينة بيرمنغهام , وصدف أن كان الورق انشاف المستخدم لتنشيف الحبر قد وضع فى آلة التنشيف حديثاً فى ذلك اليوم , وحدث أن خادمة الغرف لم تجد يومها شيئاً تفعله أفضل من التسلى بدراسة ماهو منطبع على ورقة النشاف أمام المرآة بعد أن كان السيد جونز يكتب رسالة هناك .

    بعدأيام من ذلك ذكرت الصحف خبر وفاة السيدة جونز عقب تناولها جراد البحر المعلب , وعندها قامت خادمة الغرف بالإفصاء لزملائها الخدم بالكلمات التى فكت رموزها على ورقة النشاف . وكانت الكلمات كالتالى" معتمد تماماً على زوجتى ...... عندما تموت ..... المئات والألوف"


    ولعلكم تذكرون ان قضية قد شاعت مؤخراً عن رجل سم زوجته . وهكذا لم يتطلب الأمر الكثير حتى يلتهب خيال اولئك الخدم ,فقيل إن السيد جونز قد خطط لقتل زوجتة ليرث المئات والألوف من الجنيهات ! وحدث أن إحدى الخادمات كان لها أقرباء فى البلدة التى كان يعيش فيها جونز ,فكتبت لهم وكتبوا لها بالمقابل . ويبدو أن السيد جونز كان مهتماً كثيراً بابنة طبيب البلدة , وهى شابة جميلة فى الثالثة والثلاثين من عمرها........ وهكذا بدأت همهمات الفضيحة .وتم تقديم عريضة لوزارة الداخلية للتحقيق فى الأمر , وتلقت إدارة سكوتلانديارد سيلاً من الرسائل المغفلة من التوقيع وكلها تتهم السيد جونز بقتل زوجته. يمكننى القول إننا لم نعتقد للحظة واحدة بوجود شئ في المر باستثناء أقاويل أهل القرية وثرثرتهم , ومع ذلك فقد صدر أمر باستخرج الجثة . وكانت القضية واحدة من تلك القضايا التى تلفها الأساطير الشعبية التى لاتعتمد على أي أساس واتى ثبت _مع ذلك_ أنها مبررة كل التبرير ,فنتيجة للتشريح تم العثور على كمية وافرة من الزنيخ أصبح واضحاً معها أن المتوفاة قد ماتت نتيجة تسمم المتعمد . وكان على سكوتلانديارد أن تثبت _بالتعاون مع السلطات المحلية _ كيف تم دس الزرنيخ ومن الذي دسه.

    صاحت جويس : آه ! هذا ماأحبه ............ أنها الجرائم الحقيقية !

    أكمل السير هنرى : حامت الشكوك طبعا ً حول الزوج , إذ كان المستفيد من موت زوجته . ليس إلى حد مئات الألوف التى تخيلتها خادمة الفندق برومانسية بالغة , ولكن بمبلغ محترم يبلغ ثمانية الآف جنية . لم تكن له أموال خاصة غير مايكسبه بعملع, وكان رجلاً ذا عادات لا تخلو من إسراف ,مع ميل لمجتمع النساء . حققنا بكل عناية ممكنة فى إشاعات ارتباطه بابنة الطبيب . ورغم أنه بدا واضحاً أن صداقة قوية كانت تجمع بين الاثنين فى يوم ما, إلا أن انفصالا ً مفاجئاً جداً قد حدث قبل شهرين من ذلك , ويبدوأن أياً منهما لم ير الآخر منذ ذلك الحين .أما الطبيب نفسه _كهل من النوع المستقيم البريء_ فقد ذهل لنتيجة التشريح .كان قد استدعى فى منتصف الليل تقريباً لفحص ثلاثة فوجدهم جميعاً فى حالة سيئة , وقد أدرك فوراً الحالة الخطيرة للسيدة جونز , وأرسل إلى المستودع الذي يحتفظ فيه بالأدوية من يحضر له بعض حبوب الأفيون بغية تخفيف الألم .ولقد توفيت المرأة رغم كل الجهود , ولكنه لم يشك لحظة واحدة بأن فى المر شيئاً كان مقتنعاً أن وفاتها كانت بسب نوع من اتسمم الناشئ عن سوء حفظ المعلبات . كان العشاء فى تلك الليلة يتالف من جراد البحر المعلب والسلطة وحلوى الترايفل والخبز والجبن ,ولسوء الحظ لم يتبق شئ من جراد البحر ,فقد تم أكله كله ورمى العلبة .وقد حقق الطبيب مع الخادمة الشابة غلاديس وكانت فى غاية القلق والانزعاج تنكى بانفعال ) ووجد صعوبة في حملها على التركيز على الموضوع , ولكنها أكدت مراراً وتكراراً أم علبة جراد البحر لم تكن منتفخة أبداً , زان الجراد بدا لها بحالة جيدة تماماً.

    كانت هذه هي الحقائق التى تعين علينا الانطلاق منها .أن كان جونز قد دس الزرنيخ بافع إجرامى فقد بدا واضحاً أن السم لم يوضع في أي من الأطعمة التى تم تناولها على العشاء ,باعتبار أن الثلاثة قد شاركوا فى تناول الوجبة . كما أنه كان علينا لأن نلاحظ أمراً آخر مهماص وهو أن جونز نفسه لم يعد من بيرمنغهام إلا عندما كان الطعام العشاء يؤتى به إلى المائدة , بحيث أنه لم يكن ليجد فرصة للعبث بأي نوع من الأطعمة مسبقاً

    سألت جويس : وماذا عن مرافقة الزوجة ؟ البدينة ذات الوجه البشوش؟

    أومأالسير هنرىبرأسه وقال: أوكد لك أننا لم نتجاهل الموضوع الآنسة كلارك .ولكن بدالنا أن من المشكوك فيه أن يكون لها دافع للجريمة وإذ لمتترك لها السيدة جونز أي حصة من الإرث , ولم تستفد من وفاة مخدومتها إلا عناء البحث عن عمل جديد.

    قالت جويس متأملة : يبدو أن هذا يبرئ ساحتها .

    أكمل السير هنرى قائلاً: ولكن سرعان مااكتشف أحد المفتشين العاملين معى حقيقة مهمة .فبعد العشاء فى تلك الليلة نزل السيد جونز إلى المطبخ وطلب طبقاً من مزيج دقيق الذرة لزوجته التى اشتكت من أنها ليست على مايرام. وقد انتظر فى المطبخ حتى انتهت غلاديس من إعداد المزيج , ثم حمله وصعد بنفسه إلى غرفة زوجته . وأعترف أن ذلك بدا لنا حلاً للقضية .

    اومأ المحامي براسه وقال وهو يعدد على أصابعه : الدافع والفرصة .فبصقته بائعاً جوالاً لشركة أدوية يمكنه الوصول بسهولة إلى السم .

    وأضاف القس: وهو _ فوق ذلك_ رجل ضعيف الوزاع الخلقي.

    كان ريموند وست يحدق إلى السير هنرى ثم مالبث ان قال: توجد ثغرة فى مكان ما .....لماذا لم تعتقلوا الرجل؟

    ابتسم السير هنرى بشئ من خيبة الأمل وقال : ذلك الجزء المؤسف في القضية .كان كل شئ قد سار حتى الآن بشكل سلس , وهانحن نصل الآن إلى العقبات المفاجئة . لم يتم القبض على جونز لأن الانسة كلارك إخبرتنا عند التحقيق معها بأن السيدة جونز لم تأكل شيئاً من طبق مزيج دقيق الذرة , بل هي التى أكلته ,اي كلارك نفسها . نعم ,يبدو أنها ذهبت إلى غرفة السيدة جونز كما هي عادتها , وكانت السيدة جونز جالسة فى سريرها وإلى جانبها الطبق, وقد قالت" لا أشعر أننى على مايرام ياميلي , وهذا عقاب أستحقه إذ أكلت جراد البحر ليلاً . لقد طلبت من البرات أن يجلب لي بعضاً من مزيج دقيق الذرة , ولكنني_ وقد جئ به إلى الآن_ لاأشعر بأننى أشتهيه" وقد علقت الآنسة كلارك قائلة : أمر مؤسف ,خاصة وأنه محضر بشكل جيد أيضاً وليست به كتل. وإن غلاديس طباخة رائعة حقاً .قليل من الفتيات من يستطعن تحضير مزيج دقيق الذرة بشكل جيد فى ايامنا هذه , وإننى أعلن أننى أشتهيه شخصياً ,فأنا جائعة"

    وعندها أجابتها السيدة جونز : أظنك فعلاً جائعة نتيجة وساوسك الغبية .

    توقف السير هنرى ليعلق قائلاً : لابد لي من أن أوضح أن الانسة كلارك _وقد أقلقتها الزيادة فى سمنتها _ كانت تتبع نظام حمية .وهذا هو مااعنته السيدة جونز بالوساوس , فقد قالت لها : هذاليس جيدا بالنسبة لك ميلي ,ليس جي

    بالفعل .إن كان الله قد خلقك سمينة فهذا يعنى أنه أراد لك أن تكونى سمينة .كلي هذا المزيج فسوف يفيدك كثيراً

    وهكذا شرعت الانسة كلارك فى أكل المزيج ...... وأكلته كله بالفعل ,ةبذلك فإن قضيتنا ضد السيد جونز قد تهافتت تماماً . وعندما طلب منه تفسيراً للكلمات التى كانت على ورقة النشاف اعطى تفسيراً فورياً جاهزاً , إذقال إن الرسالة كانت جواباً على رسالة كتبها إليه أخوه فى استراليا يطلب مالاً , وقد كتب لأخيه مشيراً إلى أنه معتمد كلياً على زوجته , وعندما تموت زوجته فإنه سيكون مسؤولاً عن المال وسيساعدأخاه إن أمكنه ذلك . وقد أعرب عن أسفه لعدم قدرته على مساعدة , ولكنه أشار إلى أن فى العالم المئات والألوف من الناس ممن يعانون من نفس تلك الظروف المؤسفة .

    قال الدكتور بيندر: وهكذا انهارت القضية .

    أجابه السير هنرى وهكذا انهارت القضية , فلم نستطيع المجازفة باعتقال جونز دون وجود مايمكن الاعتماد عليه.


    ساد بعض الصمت ,ثم قالت جويس: وهذا هى القصة كلها ,أليس كذلك؟

    قال السير هنرى : هذه هى القضية كما ظلت دون حل طوال العام الماضى .أماالحل الحقيقي فهو فى أيدي الشرطة سكوتلانديارد الآن , وربما قرأتم عنه فى الصحف فى غضون يومين أوثلاثة .

    قالت جويس بتأمل : الحل الحقيقي....... أمر محير .دعونا نفكر جميعاً لخمس دقائق ثم نعود للكلام.

    أومأ ريموند وست برلأسه ونظر إلى ساعته ليبدأ التوقيت , وعندما انتهت الدقائق الخمس التفت إلى الدكتور بيندروقال: أتبدأ فى الكلام ؟

    هز العجوز رأسه وقال : أعترف بأننى حائر تماماً. لا أملك إلا أن أشعر بأن الزوج هو الطرف المذنب ,ولكنني لا أستطيع تصور الطريقة التي اتبعها للقيام بذلك . كل مايمكنني قوله هو أنه دس لها السم دون شك بطريقة ما, مع أنني لاأستطيع تخيل الكيفية التى امكن من خلالها اكتشاف تلك الطريقة بعد مرور كل هذا الوقت.

    _جويس؟

    قالت جويس جازمة: إنها المرافقة ,المرافقة بالتأكيد ! كيف لنا أن نعرف أي دافع كان يدفعها ؟ إن كونها عجوزاً وسمينة وبشعة لا يعني أنها لم تكن تحب جونز شخصياً . وربما كلنت تكره الزوجة لسبب آخر مختلف .فكروا فى مهنةالمرافقة ....... إن عليها دوماً أن تكون مسلية وأن تبدي الموافقة وتكتم مشاعرها وتكبح رغباتها . وفي يوم مالم تعد قادرة على على تحمل ذلك, وعندها قتلتها . وربما كانت قد وضعت السم فى ذلك الطبق , وربما كانت كل تلك القصة عن تناولها لمزيج دقيق الذرة كذباً.

    _السيد بيثريك؟

    وضع المحامي رؤوس أصابعه بعضها مقابل بعض بشكل يدل على الاحتراف وقال : لا أكاد أستطيع الإدلاء برأي , لاأكاد أستطيع ذلك بالاعتماد على هذه الحقائق .

    قالت جويس معترضة: ولكن لا بد لك من إبداء رأي. لا يمكنك أن تحتفظ بحكمك وتقول "دون إضراربأحد " وتمثل علينا دور القانوني .لابد أن تلعب اللعبة .

    قال السيد بيثيريكمسايراً: وفقاً لهذه الحقائق لا يبدو لي مايمكن أن يقال . إن رأيي الشخصي _وقد خبرت مع الأسف كثيراً من هذه القضايا_أن الزوج هو امذنب . ويبدو أن التفسير الوحيد الذي يمكن أن يغطي كافة الحقائق هو أن الانسة كلارك قد تسترت على الزوج لسبب أو لآخر .ربما كلن بينهما ترتيب مالي ما. ربما أدرك بأنه سيكون موضع شبهة , وربما وافقت هي_وهي لاترى أمامها إلا مستقبل الفقر_ على الإدلاء بقصة تناولها للمزيج مقابل مبلغ كبير من المال يدفع لها سراً. فإن كانت تلك هي الحال فهي حال شاذة جداً بالطبع , حال شاذة حقاً.

    قال ريموند : أنا اختلف معكم جميعاً . لقد نسيتم العامل الأهم فى هذه القضية ,ابنة الطبيب .سأخبركم بتحليلي للقضية .لقد كان جراد البحر المعلب فاسداً, وهذا يفسر أعراض التسمم . وقد أرسل فى طلب الطبيب فوجد السيدة جونز تعانى من ألم عظيم لأنها أكلت من الجراد أكثر من الآخرين , وبعث _كما أخبرتنا ياسير هنرى _ فى طلب حبوب أفيون .لم يذهب بنفسه ,بل أرسل فى طلبها .من الذي سيعطي الرسول حبوب أفيون ؟ابنته كما واضح .إنها تحب جونز , وفى تلك اللحظة تنشط فى نفسها كل الغرائز السيئة وتدرك أن فى يدها وسيلة تحريره .وهكذا فإن الحبوب التي أرسلتها تحتوي على الزرنيخ الأبيض الصرف .هذا هو تصوري لحل القضية .

    قالت جويس بلهفة: والآن أخبرنا بالحل ياسير هنرى .

    ولكن السير هنرى ردقائلاً: انتظري لحظة , فالآنسة ماربل لم تتكام بعد.

    كانت الآنسة ماربل تهز رأسها بأسى , ثم قالت : ياإلهي ! لقد أغفلت غرزة أخرى من الصوف , فقد كنت منسجمة جداً مع هذه القصة . إنها قضية محزنة , محزنة جداً . إنها تذكرني بالعجوز السيد هارغريفز الذي يعيش في أعلى المرتفع هناك. لم تراود زوجته أية شكوك أبداً حتى توفي تاركاً كل أمواله لامراة كان يعيش معها وله منها خمسة أولاد .كانت المرأة خادمة عندهم في وقت من الاوقات ، وكانت السيدة هارغريفز تصفها دوماً بأنها فتاة رائعة ,يعتمد عليها كثيراً فى قلب الفراشات كل يوم وتنظيف ماتحتها , باستثناء أيام العطلات طبعاً.وكان السيد هارغريفز قد أسكن تلك المرأة فى بيتفى البلدة المجاورة واستمر فى منصبه كأحد رعاة الكنيسة مؤدياً كل طقوسها .

    قال ريموند بنفاد صبر: ياخالتي العزيزة جين, ماعلاقة هارغريفز الذي شبع موتاًبالقضية ؟

    ردت الاتسة مارل : لقد جعلتني هذهالقصة أفكر فيه فوراً, فالحقائق متشابهة كثيراً ,أليس كذلك؟ أحسب أن الفتاة المسكينة قد اعترفت الآن , وهذا ما جعلكم تعرفون ياسير هنرى .

    سال ريموند وست: أي فتاة؟ ياخالتي العزيزة ,مالذي تتكلمين عنه؟

    _عن تلك الفتاة المسكينة ,غلاديس, التى انفعلت كثيراً عندما تكلم معها الدكتور , وحق لها أن تنفعل .... المسكينة ! أرجوأن يشنق ذلك الشرير جونز , وقد جعل من تلك الفتاة المسكينة قاتلة . أحسب أنهم سيشنقونها هي الأخرى ........ مسكينة .

    قال السيد بيثيريك: أظن أنك أسأت فهم الموضوع قليلاً يالنسة ماربل .

    ولكن الانسة ماربل هزت رأسها بعناد والتفت إلى السير هنرى قائلة : إنني على صواب , أليس كذلك؟بدت القضية واضحة تماماً بالنسبة لي. ألا تعلمون أننا نسمي تلك الحبيبات الملونة التى نزين بها الحلوى "المئات والألوف" ؟ أضيفوا إلى هذا مسألة الترايفل على العشاء . لا يمكن للمرء إغفال ذلك.

    صاح ريموند: ماذا بشأن المئات والألوف والترايفل؟

    _إن الخدم عادة مايضعون تلك الحبيبات التى نسميها "المئات والألوف" على حلوى الترايفل ياعزيزي ,تلك الحبيبات الملونة من السكر .عندما سمعت أنهم تناولوا الترايفل على العشاء , وأن الزوج كان يكتب لشخص ما عن المئات والألوف فإنني ربطت بين الأمرين بلطبع .هناك كان الزرنيخ ....... فى تلك الحبيبات .تركها مع الفتاة وطلب منها أن تضعها على الترايفل.

    قالت جويس بسرعة : ولكن ذلك مستحيل , فقد أكلوا جميعاً من الترايفل.

    قالت الانسة ماربل :آه ,لا . لقد كانت المرفقة تتبع نظام حمية إن كنت تذكرين , والمرء لايأكل حلوى الترايفل عندما يتبع نظام الحمية . وأظن أن جونز اكتفى بكشط تلك الحبيبات عن حصته من الحلوى وتركها فى طرف طبقه .كانت فكرة ذكية , ولكنها فكرة شريرة جداً أيضاً.

    تسمرت أعين الباقين على السير هنرى فقال بتمهل: أمر غريب جداً, ولكن الانسة ماربل صدف أن اصابت كبد الحقيقة . لقد ورط جونز غلاديس, وكانت يائسة تقريباً. أراد إزاحة زوجته عن الطريق, وقد وعد غلاديس بأن يتزوجها عندما تموت زوجته .سم حبيبات السكر وأعطاها لها مع تعليمات حول كيفية استخدمها . لقد ماتت غلاديس قبل أيبوع , وقد مات مولودها عند الولادة وهجرها جونز ليذهب إلى امرأة أخرى . عندما كانت تحتضر اعترفت بالحقيقة .

    ساد الصمت لبضع لحظات ثم قال ريموند : حسناً ياخالة جين , هذه واحدة لصالحك .لاأعرف كيف تمكنت من الوصول إلي الحقيقة ,فما كنت لأفكر بالخادمة الصغيرة باعتبارها متورطة فى الجريمة !


    قالت الانسة ماربل : صحيح ياعزيزي ، ولكنك لاتعرف من الحياة بقدر ماأعرف. إنرجلاًمن شاكلة جونز هذا يكون قاسياً وذا نزوات .فور سماعي أنفتاة جميلة كانت فى البيت شعرت بالثقة بأنه لايمكن أنيتركها لشأنها .الأمر كله مؤلم مزعج . وليس الكلام عنه بالشئ المريح.لايمكنني أنأصف لك الصدمة التى تعرضت لها السيدة هارغريفز واللغط العظيم الذي أثاره ذلك فى القرية .


    علبة الحلوى


    كانت ليلة هائجة فقد كانت الريح تزأر بعنف والمطر يضرب النوافذ بموجات هائلة.

    جلسنا -بوارو وأنا- مقابل الموقد وقد سرحنا سيقاننا باتجاه ألسنة اللهب البهيجة كانت بيننا طاولة صغيرة وعليها -أمامي- كوب ضخم من الشاي الحار وأمام بوارو كوب من الشراب الكاكاو الكثيف الذي ماكنت لأشربه لو دفعوا لي مائة جنيه!

    ارتشف بوارو ذلك المزيج الثخين البني من كوبه الصيني الأحمر وتنهد باطمئنان ورضا قائلا: يا للحياة الجميلة!

    - نعم انه عالم جيد فها أنا لدي عمل وعمل جيد أيضا! وها أنت مشهور...

    قاطعني بوارو محتجا: آه ياصديقي!

    - ولكنك مشهور بالفعل وعن جدارة أيضا! عندما أستعيد في تفكيري سلسلة نجاحاتك الطويلة فانني أدهش لها لا أعتقد أنك تعرف ما هو الفشل!

    - إن من يستطيع ادعاء ذلك يكون مهرجا غريب الأطوار!

    - كلا ولكن قل لي بجد: هل أن سبق أن فشلت أبدا؟

    - مرات لا حصر لها ياصديقي ماذا بوسعك أن تفعل؟ ان المصادفة السعيدة لا يمكن أن تكون دائما الى جانبك كثيرا ماتم استدعائي في وقت متأخر جدا وكثيرا ما وصل قبلي شخص آخر كان يعمل باتجاه الهدف نفسه مرتين صرعني المرض تماما عندما كنت على حافة النجاح على المرء أن يأخذ بالاعتبار حالات النجاح وحالات الفشل معا ياصديقي.

    - ليس هذا ماقصدته بالضبط ما عنيته هو: هل فشلت من قبل تماما في قضية بسبب خطأ ارتكبته أنت؟

    - آه فهمت! انك تسأل ان كان قد سبق أن جعلت من نفسي حمارا كما تقولون في بلادكم هما؟ مرة واحدة يا صديقي...

    وتبدت على وجهه ابتسامة بطيئة متأملة وأضاف: نعم مرة واحدة جعلت من نفسي أضحوكة!

    ثم اعتدل فجأة في كرسيه وقال: اسمعني يا صديقي أعرف أنك احتفظت بسجل لنجاحاتي الصغيرة وعليك أن تضيف قصة أخرى الى مجموعتك قصة فشل!

    انحنى الى الأمام ووضع حطبة في الموقد وبعد أم مسح يديه بعناية بمنشفة معلقة بمسمار قرب الغرض لهذا الغرض عاد ليسترخي على كرسيه وبدأ قصته:

    هذا الذي أرويه لك حدث في بلجيكا منذ سنوات عديدة كان ذلك في زمن الصراع الرهيب في فرنسا بين الكنيسة والدولة كان السيد بول ديرولار نائبا فرنسيا نابها ولم يكن سرا أن حقيبة وزارية تنتظره كان واحدا من أكثر المعادين للكنيسة وكان من المؤكد أنه سيضطر لمواجهة عداء عنيف لدى توليه السلطة وقد كان رجلا متميزا من عدة جوانب ومع أنه لم يكن يشرب ولا يدخن الا أنه لم يكن متزمتا كثيرا في جوانب أخرى هل تفهمني يا هيستنغر أعني في النساء... انهن دوما في الصورة!

    كان تزوج قبل بضع سنوات امرأة شابة من بروكسل أعطته مهرا لا بأس به ولا شك أن المال كان مفيدا له في حياته المهنية اذ لم تكن عائلته غنية مع أنه كان -من جهة أخرى- مخولا بتسمية نفسه بارونا لو أراد لم يسفر الزواج عن أطفال وماتت زوجته بعد عامين نتيجة سقطة من الدرج ومن ضمن الممتلكات التي ورثها عنها بيت في شارع لويس في بروسكل.

    في ذلك البيت حدثت وفاته المفاجئة تصادفت وفاته مع استقالة الوزير الذي كان مقدرا له أن يخلفه وقد نشرت كل الصحف مقالات مطولة عن حياته السياسية وعزت موته -الذي حدث بشكل مفاجئ تماما بعد طعام العشاء- الى حدوث أزمة قلبية.

    في ذلك الوقت كنت ياصديقي -كما تعلم- عضوا في جهاز التحري البلجيكي ولم تكن وفاة السيد بول ديرولار مثيرة بشكل خاص بالنسبة لي فأنا -كما تعلم- متدين أيضا وقد بدت لي وفاته أمرا مفرحا.

    بعد ثلاثة أيام من وفاته وكانت اجازتي على وشك أن تبدأ جاءتني زائرة الى بيتي كانت امرأة تضع خمارا سابغا ولكنها بدت شابة تماما وأدركت علىالفور أنها كانت فتاة كأجمل ما يمكن للفتاة أن تكون. سألتني بصوت عذب منخفض: أنت السيد هيركيول بوار؟ فانحنيت لها. قالت:من جهاز التحري؟. انحنيت ثانية وقلت: تفضلي بالجلوس أرجوك يا آنستي. 

    أخذت كرسيا ورفعت خمارها كان وجهها ساحرا رغم الدموع التي شوهته وكانت ذاهلة كأنها مسكونة بقلق حاد. قالت: سيدي إنني اعرف أنك ستأخذ إجازتك الآن ولذلك ستكون حرا للنظر في قضية خاصة. أنت تدرك بأنني لا أريد استدعاء الشرطة.

    هززت رأسي يالنفي وقلت: أخشى أن لا يكون ما تطلبينه ممكنا يا آنستي فأنا أظل واحدا من رجال الشرطة ولو كنت في إجازة.

    اتكأت الى الأمام وقالت: اسمع ياسيدي... إن كل ما أطلبه منك هو أن تتحرى وفيما يخص نتيجة تحرياتك فأنت حر تماما في تقديمها للشرطة إن كل ما أظنه صحيحا بالفعل فإننا سنحتاج الى كل "ماكينة" للقانون.

    أضفى ذلك طابعا مختلفا بعض الشئ على القضية ووضعت نفسي في خدمتها دون مزيد من اللغو صبغ لون خفيف وجنتيها وقالت: أشكرك ياسيدي ان وفاة السيد بول ديرولار هي ما أطلب منك أن تتحرى عنه.

    هتف مدهوشا: ماذا؟

    قالت: سيدي ليس لدي من شئ أنطلق منه في هذه القضية... لاشئ سوى غريزة المرأة ولكنني مقتنعة -يقينا- بأن السيد ديرولار لم يمت ميتة طبيعية!

    قلت: ولكن من المؤكد أن الأطباء...

    قاطعتني قائلة: قد يخطئ الأطباء لقد كان مفعما بالحيوية قويا جدا آه ياسيد بوارو انني أتوسا إليك أن تساعدني...

    كانت الطفلة المسكينة في غاية الهم والقلق وكانت مستعدة لأن تركع أمامي فهدأتها بأفضل ما استطعت وقلت: سأساعدك يا آنسة انني أكاد أكون واثقا من أن مخاوفك لا أساس لها من الصحة ولكننا سنرى. سأطلب منك -أولا- أن تصفي لي ساكني البيت.

    قالت: يوجد الخدم بالطبع: جانيت وفيليس ودينيس الطباخة وقد عملت الطباخة في البيت من سنين عديدة أما الخادمتان فهما فتاتان ريفيتان بسيطتان يوجد أيضا فرانسو ولكنه هو الآخر خادم قديم وأيضا والدة السيد ديرولار التي تعيش معه وأنا. اسمي فيرجيني منسار وأنا ابنة عم فقيرة للراحلة زوجة السيد ديرولار ولقد أصبحت عضوة في أسرة ساكني المنزل منذ أكثر من ثلاث سنوات. لقد وصفت لك الآن ساكني المنزل ولكن لدينا أيضا ضيفان يقيمان في المنزل.

    - وهما؟

    - السيد دوسان آلار وهوجار للسيد ديرولار في فرنسا وصديق انكليزي هو السيد جون ويلسن.

    - ألا يزالان معكم؟

    - بالنسبة للسيد ويلسن فانه موجود ولكن السيد دوسان آلار غادر بالأمس.

    - وما هي خطتك يا آنسة منسار؟

    - إن أمكنك المجئ الى البيت خلال نصف الساعة القادمة فسأكون قد رتبت قصة لتبرير وجودك من الأفضل أن أقدمك على أنك مرتبط بالصحافة بشكل أو بآخر سأقول انك جئت من باريس وانك أحضرت بطاقة تعريف وتوصية من السيد دوسان آلار ان صحة مدام ديرولار عليلة تماما ولن تلتفت كثيرا للتفصيلات.

    وبناء على التبرير العبقري للآنسة دخلت المنزل وبعد مقابلة قصيرة مع والدة النائب المتوفى -التي كانت ذات شخصية جليلة أرستقراطية رغم وضوح تداعي صحتها- تحررت من المقدمات وبسط الأعذار.

    انني لأتساءل -يا صديقي- ان كان بوسعك تصور الصعوبات التي تكتنف مهمتي؟ فأنا أمام رجل حدثت وفاته لعبة قذرة بالفعل فان احتمالا واحدا فقط كان يمكن قبوله: السم ولم تكن لدي فرصة رؤية الجثة ولم أملك أي امكانية لفحص أو تحليل الوسط أو الطعام الذي تم فيه دس السم. لم أجد أية دلائل أو مؤشرات يمكن تقييمها سواء أكانت مزيفة أم حقيقية. هل تم تسميم الرجل؟ هل مات موتا طبيعيا؟ كان علي أنا -هيركيول بوارو- ودون أية مساعدة أن أقرر.

    في البداية قابلت الخدم وبمساعدتهم أعدت تلخيص أحداث تلك الليلة وقد أوليت انتباها خاصا لطعام العشاء وطريقة تقديمه فقد قام السيد ديرولار نفسه بتقديم الحساء ثم تقديم طبق شرائح اللحم مع عظامها ثم الدجاج وأخيرا طبق فواكه مطبوخة بالسكر وكل ذلك وضع على الطاولة وقدمه السيد ديرولار بنفسه وقد جئ بالقهوة في ابريق كبير الى طاولة العشاء لم أجد شيئا يا صديقي يستحيل تسميم شخص دون تسميم الجميع!

    بعد العشاء عادت مدام ديرولار الى جناحها ورافقتها الآنسة فيرجيني وقد انتقل الرجال الثلاثة الى مكتب السيد ديرولار حيث تبادلوا الأحاديث بشكل ودي لبعض الوقت ثم فجأة ودون سابق انذار سقط النائب بقوة على الأرض اندفع السيد دوسان آلار الى الخارج وطلب من الخادم فرانسوا احضار طبيب قائلا انها سكتة قلبية بلا شك كما شرح الخادم ولكن عندما وصل الطبيب كان الوقت قد فات لمساعدة المريض.

    كان السيد جون ويلسن -الذي قدمتني له الآنسة فيرجيني- رجلا انكليزيا نموذجيا في تمثيله لأبناء جلدته في أواسط عمره ضخم البنية وقد كانت روايته للحادثة التي سردها بفرنسية تغلب عليها اللكنة الانكليزية شبيهة مع ما سردته عليك الى حد كبير.
    قال: "احمر وجه ديرولار كثيرا ثم سقط ارضا".

    لم يكن من شئ اضافي يمكن العثور عليه هناك بعد ذلك ذهبت الى مسرح وقوع المأساة في المكتب وتركت هناك بناء على طلبي حتى الآن لم أجد ما يؤيد نظرية الآنسة منسار ولم استطع منع نفسي من الاعتقاد بأن الأمر كان مجرد وهم من طرفها وكان من الواضح أنها كانت تحتفظ للفقيد بعاطفة رومانسية لم تسمح لها بأن تنظر نظرة طبيعية للقضية ومع ذلك فقد فتشت المكتب بعناية تفصيلية دقيقة كان ممكنا أن توضع ابرة حقن في كرسي النائب بطريقة تسمح بتمرير حقنة قاتلة الى جسده وكان يحتمل أن تمر اللسعة الخفيفة التي تسببها البرة دون أن ينتبه لها. ولكنني لم أستطع اكتشاف أية اشارة تدعم هذه النظرية ورميت نفسي على الكرسي بحركة يأس.

    قلت لنفسي بصوت عال: وماذا بعد؟ سأترك القضية! ليس من مؤشر في أي مكان! كل شئ طبيعي تماما.

    وفيما كنت أقول هذه الكلمات وعت عيناي على علبة حلوى كبيرة تنتصب على طاولة قريبة وقفز قلبي من مكانه ربما لم يكن هذا مؤشرا يقود الى تفسير وفاة السيد ديرولار ولكن ها قد وجدت -على الأقل- شيئا ليس طبيعيا رفعت غطاء العلبة كانت مليئة لم تمس ولم تفقد ولا قطعة واحدة ولكن لم يكن من شأن ذلك الا أن يجعل الغرابة التي جذبت انتباهي أقوى وأشد تأثيرا أتدري لماذا يا هيستنغز؟ لأنه بينما كانت العلبة نفسها وردية اللون كان غطاؤها أزرق يمكن للمرء أن يرى دوما شريط زينة أزرق على علبة وردية والعكس ولكن أن يجد علبة من لون وغطاءها من لون آخر فلا. بالتأكيد هذا ما لم أره مطلقا!

    ومع ذلك فلم أكن أعتقد بأن هذا الحديث البسيط يحمل أي فائدة لي ولكنني صممت على تحري الأمر باعتباره خارجا عن المألوف قرعت الجرس طلبا للخادم فرانسوا وسألته ان كان سيده الفقيد مغرما في ما مضى بالحلويات ارتسمت على شفتيه ابتسامة كآبة باهتة وقال: كان مغرما بها جدا يا سيدي كان يحتفظ دوما بعلبة حلوى في المنزل انه لم يكن يشرب الخمر أبدا كما تعلم.

    رفعت غطاء العلبة أمامه وقلت: ومع ذلك فان هذه العلبة لم تمس أبدا؟

    - عفوا يا سيدي ولكن هذه العلبة جديدة وقد اشتريت يوم وفاته باعتبار أن الحلوى هي الأخرى أوشكت على النفاد.

    قلت له ببطء: اذن فان العلبة الأخرى فرغت يوم وفاته.

    - نعم يا سيدي وجدتها فارغة عند الصباح ورميتها.

    - أكان السيد ديرولار يأكل الحلويات في كل ساعات النهار؟

    - بعد العشاء عادة يا سيدي.

    بدأت أرى بصيص نور. قلت: فرانسوا.. أتستطيع حفظ السر؟

    - بالطبع يا سيدي.

    - حسنا! فاعلم اذن أنني من الشرطة هل تستطيع أن تجد لي تلك العلبة الأخرى؟ 

    - دون شك يا سيدي ستمون في سلة المهملات.

    غادر ثم عاد بعد دقائق بعلبة يعلوها الغبار كانت نسخة طبق الأصل عن العلبة التي لدي باستثناء أن العلبةكانت زرقاء هذه المرة وكان غطاؤها ورديا.

    شكرت فرانسوا ونصحته مرة أخرى بالتكتم وغادرت المنزل في شارع لويسدون مزيد من اللغط.

    بعدها زرت الطبيب الذي عاين السيد ديرولار وكانت مهمتي معه صعبة فقد تخندق بعناد خلف جدار من الكلمات والمفردات المتخصصة ولكنني تخيلت بأنه لم يكن واثقا تمام بخصوص القضية كما كان يجب أن يكون.

    قال بعد أن تمكنت من انتزاع أسلحته الى حد ما: لقد ةقعت حوادث غريبة كثيرة من هذا النوع نوبة غضب مفاجئة عاطفة هوجاء بعد عشاء ثقيل هذا أمر يحدث ثم بموجة من الغضب يصعد الدم الى الرأس ثم "بست"! ينتهي كل شئ!

    - ولكن لم تكن لدى السيد ديرولار عاطفئة هوجاء.

    - لم تكن لديه؟ انني واثق أنه كان يخوض مشاحنة كلامية عاصفة مع السيد دوسان آلار.

    - ولماذا؟

    رفع الطبيب كتفيه دهشة وقال: أمر واضح! ألم يكن السيد دوسان آلا كاثوليكيا متعصبا؟ لقد دمرت صداقتهما بسبب هذه المشكلة بين الكنيسة والدولة ولم يكن يمر يوم دون نقاشات كان ديرولار يبدو للسيد دوسان آلار معاديا للقيم الدينية.

    كان هذا الأمر غير متوقع وقد أعطاني ذخيرة للتفكير قلت: سؤال يا آخر يا دكتور: هل من الممكن دس جرعة قاتلة من السم في قطعة حلوى؟

    - أحسب أن ذلك ممكن ان حامض البروسيك الصافي يمكن أن يناسب هذا الاحتمال بغياب فرصة لتبخره ويمكن ابتلاع كرة صغيرة من أي مادة دون الانتباه لها ولكنه لا يبدو احتمالا مرجح الحدوث ان قطعة حلوى مليئة بالمورفين أو الاستريكنين...

    ثم أبدى وجها متمعجا وأردف قائلا: أنت تدرير يا سيد بوارو ان لقمة واحدة تكفي! والغافل لن يدقق في الشكليات والتفصيلات.

    - شكرا لك ياسيدي الدكتور.

    غادرته وقمت بعدها بتحريات لدى الصيادلة وخاصة أولئك القريبين من شارع لويس إنه لأمر جيد أن تمون في سلك الشرطة فقد حصلت على ما أردته من معلومات بدون مصاعب ولم أعثر -الا في حالة واحدة- على أية مناسبة تم فيها تزويد ساكني البيت بأي نوع من السموم وكان الأمر -في تلك الحالة- على شكل قطرات عين من سولفات الأتروبين للسيدة ديرولار والأتروبين سم فعال ولقد فرحت للحظة ولكن أعراض الأتروبين قريبة من أعراض التسمم الغذائي وليس فيها أي شبه بالحالة التي كنت أحقق فيها وبالاضافة الى ذلك فقد كانت الوصفة قديمة فقد كانت المدام ديرولار تعاني منذ سنوات طويلة من اعتام العدسة في عينيها.

    وكنت أهم بالخروج خائبا عندما أعادني صوت الصيدلي: دقيقة يا سيد بوارو أتذكر أن الفتاة التي أحضرت لي هذه الوصفة قالت شيئا يفيد بأنها مضطرة للذهاي الى الصيدلي الانكليزي بوسعك أن تجرب هناك.

    وقد جربت بالفعل فارضا مرة أخرى مكانتي الرسمية وحصلت على المعلومات التي أريدها في اليوم الذي سبق وفاة السيد ديرولار حضر العاملون في الصيدلية وصفة للسيد جون ويلسن وهذا لا يعني أنها كانت بحاجة الى تحضير فلم تكن سوى حبوب من الترينيترين سألت ان كان بوسعي أن أرى نموذجا لها فأروني اياها فأخذ قلبي يدق أسرع فأسرع ذلك أن الحبوب الصغيرة كانت مصنوعة من الحلوى.

    سألت: هل هي سم؟

    قال الصيدلي: كلا سيدي.

    - هل تستطيع أن تصف لي تأثيرها؟

    - انها تخفض ضغط الدم وهي توصف لبعض أنواع أمراض القلب كالخناق الصدري مثلا انها تخف التوتر في العضلة القلبية وفي حال تصلب الشرايين...

    قاطعته قائلا: يا عزيزي! هذه المفردات المختصة لا تعني شيئا بالنسبة لي هل تجعل هذه الحبوب الوجه يتورد؟

    - نعم بالتأكيد

    - ولنفترض انني ابتعلت عشرا أو عشرين من حباتك الصغيرة هذه فما الذي يحدث؟

    أجاب الصيدلي بجفاء: انني لا أنصحك بمحاولة ذلك.

    - ومع ذلك فانك تقول انه ليس سما؟

    أجاب بجفاء أيضا: يوجد الكثير من الأشياء التي لا تمسى سما وتستطيع قتل الانسان.

    تركت الصيدلية مبتهجا فقد بدأت الأمور تنجلي أخيرا!

    لقد عرفت الآن بأن جون ويلسن كان يملك أداة الجريمة... ولكن ماذا عن الدوافع؟ كان قد جاء الى بلجيكا في عمل وطلب من السيد ديرولار -الذي كان على معرفة سطحية به- أن يستضيفه. كان واضحا أنه ما من طريقة يمكن أن يكون بها موت السيد ديرولار مفيدا له وفوق ذلك فقد أدركت من خلال تحريات في انكلترا بأنه كان يعاني منذ سنوات عديدة من ذلك النوع من مرض القلب الذي يدعى الخناق الصدري ولذلك فقد كان له حق مطلق في الاحتفاظ بتلك الحبوب في متناول يده ومع ذلك كنت مقتنعا بأن شخصا ما ذهب الى علبة الحوى وفتح العلبة الملأى في البداية عن طريق الخطأ ثم نزع لب أو محتويات آخر قطعة في العلبة القديمة ثم حشاها بدل ذلك بكل ما يمكن أن تستوعبه من حبات الترينترين لقد كانت قطعة الحلوى كبيرة وكنت واثقا أنه كان بالامكان ادخال ما بين عشرين الى ثلاثين حبة في القطعة ولكن من الذي فعل ذلك؟

    كان في المنزل ضيفان وكانت لدى جون ويلسن أداة الجريمة ولدى سان آلار الدافع لها تذكر أنه كان متعصبا وليس من متعصب كالمتعصب لدينه أيمكن أن يكون قد حصل -بطريقة أو بأخرى- على حبوب جون ويلسن؟

    خطرت لي فكرة صغيرة أخرى آه انك تبتسم لأفكاري الصغيرة! لماذا استنفذ جون ويلسن حبوبه؟ من المؤكد أن يكون قد أحضر معه ذخيرة تكفيه من انكلترا عدت مرة أخرى لزيارة البيت في شارع لويس كان ويلسن خارجا ولكنني رأيت فيليس الفتاة التي تنظف غرفته وسألتها فورا ان كان صحيحا أن السيد ويلسن قد فقد زجاجة دواء من فوق مغسلته قبل بعض الوقت أجابت الفتاة بلهفة بأن ذلك كان صحيحا تماما وأنها قد تعرضت للوم بسبب ذلك وقد ظن السيد الانكليزي بأنها كسرتها ولم ترغب بالاعتراف بذلك بينما هي لم تلمسها أبدا وقالت: انها بلا شك جانيت التي تدس أنفها دوما في أمور لا علاقة لها بها...

    هدأت من سخطها واستأذنت بالانصراف لقد عرفت الآن كل ما احتجت لمعرفته بقي علي أن أثبت قضيتي وشعرت بأن ذلك لن يكون سهلا قد أكون أنا واثقا من أن سان آلار قد أخذ زجاجة الترينيترين عن مغسلة جون ويلسن ولكن حتى أقنع الآخرين لا بد لي من ابراز دليل ولم يكن لدي لأبرزه!

    ولكن لا يهم... انني أعرف الحقيقة كان ذلك هو الأمر العظيم انك تتذكر الصعوبة التي واجهتنا في قضية ستايلز يا هيستنغز؟ هناك أيضا كنت أعرف ولكنني استغرقت وقتا طويلا حتى أجد الصلة الأخيرة المفقودة التي جعلت من سلسلة دلائلي ضد القاتل سلسلة كاملة.

    طلبت مقابلة مع الآنسة منسار وجاءت على الفور طلبت منها عنوان السيد دوسان آلار اعترت وجهها مسحة قلق وقالت: لماذا تريده يا سيد بوارو؟

    - انه ضروري يا آنستي.

    بدت مرتابة قلقة قالت: انه لايستطيع أن يخبرك بشئ فهو رجل يعيش خارج هذا العالم ولا يكاد يلاحظ مايدور حوله!

    - هذا ممكن يا آنسة ولكن مع ذلك فقد كان صديقا قديما للسيد ديرولار وربما كان يعرف أشياء يستطيع أن يخبرني عنها أشياء من الماضي... عداوات قديمة... علاقات حب قديمة.

    توردت وجنتا الفتاة وعضت شفتها ثم قالت: كما ترغب ولكني... ولكني أشعر الآن بأنني على ثقة من أنني كنت مخطئة لقد كان لطفا منك أن توافق على طلبي ولكنني كنت منزعجة... بل كنت شديدة الاضطراب في ذلك الوقت انني أدرك الآن بأنه لم يكن في الأمر لغز يتطلب حلا اترك الأمر أرجوك يا سيدي.

    تأملتها بامعان ثم قلت: يا آنستي من الصعب أحيانا على كلب الصيد أن يعثر على الأثر الذي يقوده الى طريدته ولكن -اذا وجده فعلا- فما من قوة تجعله يتركه! ذلك اذا كان كلب صيد جيدا... وأنا يا آنستي هيركيول بوارو كلب صيد جيدا جدا!

    دارت دون أن تنبس بشفة وبعد بضع دقائق عادت بالعنوان مكتوبا على ورقة صغيرة غادرت المنزل وكان الخادم فرانسوا ينتظرني في الخارج نظر الي بلهفة وقال: أما من أخبار يا سيدي؟

    - حتى الآن كلا يا صديقي. 
    z


    تنهد وقال: آه! السيد ديرولار المسكين! أنا أيضا كانت لي نفس طريقة تفكيره ولكن هذا لا يعني أنني استطيع التصريح بذلك في البيت فالنساء هناك ورعات كلهن وربما كان ذلك أمرا جيدا ان السيدة تقية جدا والآنسة فيرجيني كذلك أيضا.

    تساءلت: الآنسة فيرجيني؟ أهي تقية جدا؟

    تعجبت من ذلك وأنا أفكر بوجهها العاطفي الذي أهزلته الدموع الذي رأيته في ذلك اليوم الأول.

    وعندما حصلت على عنوان السيد سان آلار لم أضيع أي وقت وصلت الى جوار بيته الريفي في مقاطعة آردين ولكن أعياني العثور على عذر لدخول المنزل لبضعة أيام وفي النهاية وجدت ذلك العذر كيف تظنني دخلت؟ كسمكري ياصديقي! استغرقت مسألة ترتيب تسرب صغير في الغاز في غرفة نومه دقيقة واحدة تركت المنزل لاحضار أدواتي وحرصت على العودة بأدواتي في ساعة عرفت فيها أنني سأكون في الساحة وحدي لم أكد أعرف ما الذي أبحث عنه ولم أستطع اقناع نفسي بوجود أية فرصة للعثور على الأمر الوحيد المفيد بالنسبة للقضية فلم يكن يجازف للاحتفاظ به.

    ومع ذلك فعندما وجدت الخزانة الصغيرة فوق المغسلة مقفلة لم أستطع مقاومة اغراء رؤية ما بداخلها كان القفل من النوع الذي يسهل تماما فتحه انفتح باب الخزانة وكانت مليئة بالزجاجات القديمة أخرجتها واحدة واحدة بيد ترتعش وفجأة ندت عني صرخة تصور يا صديقي لقد أمسكت بيدي قارورة صغيرة عليها ملصق الصيدلي النكليزي وقد كتب عليه: "حبوب ترينيترين تؤخذ حبة واحدة عند اللزوم. السيد جون ويلسن".

    سيطرت على انفعالي وأغلقت الخزانة ودسست القارورة في جيبي وتابعت تصليح تسرب الغاز... اذ أن الانسان ينبغي أن يكون منظما! بعدها غادرت البيت الريفي وركبت القطار عائدا الى بلدي بأسرع ما يمكن وصلت الى بروكسل في وقت متأخر من تلك الليلة وفي الصباح كنت أكتب تقريرا لرئيس جهاز التحري عندما جاءتني ملاحظة وكانت الملاحظة من مدام ديرولار تطلبني فيها الى المنزل في شارع لويس دون تأخير.

    فتح فرانسوا الباب لي وقال: السيدة البارونة في انتظارك.

    قادني الى جناحها كانت تجلس على كرسيها بكل جلالها ولم أر أثرا للآنسة فيرجيني قالت السيدة العجوز: سيد بوارو لقد سمعت لتوي بأنك ليس كما ادعيت وأنك ضابط شرطة.

    - هذا صحيح يا سيدتي.

    - وجئت هنا لتحقق في ظروف وفاة ابني؟

    أجبت ثانية: هذا صحيح يا سيدتي.

    - سأكون سعيدة ان تكرمت باخباري بالتقدم الذي أحرزته.

    ترددت ثم قلت: خبريني كيف عرفت كل ذلك يا سيدتي؟

    - من شخص لم يعد من هذا العالم.

    كلماتها والطريقة التي نطقت بها جعلت قشعريرة رعب تسري في صدري وعجزت عن الكلام قالت: ولذلك يا سيدي أتوسل اليك بكل الحاح أن تخبرني بالضبط بالتقدم الذي أحرزته في تحرياتك.

    - سيدتي لقد انتهت تحرياتي.

    - وابني؟

    - قتل عمدا.

    - هل تعرف القاتل؟

    - نعم يا سيدتي.

    - فمن هو اذن؟

    - السيد دوسان آلار.

    - أنت مخطئ فهو غير قادر على ارتكاب مثل هذه الجريمة.

    - الأدلة في يدي.

    - أتوسل اليك ثانية أن تخبرني بكل شئ.

    أطعتها هذه المرة مستعرضا كل خطوة قادتني الى كشف الحقيقة أصغت الي بانتباه وفي النهاية هزت رأسها وقالت: نعم، نعم كل شئ كما قلت كل شئ باستثناء أمر واحد فليس السيد دوسان آلار هو من قتل ابني بل أنا الذي قتلته... أمه!

    حدقت اليها واستمرت هي تهز رأسها بهدوء ثم قالت: كان خيرا أنني أرسلت في طلبك ان من عناية الله الرحيم أن فيرجيني أخبرتني -قبل أن ترحل للالتحاق بدير- بما فعلته. اسمع يا سيد بوارو: لقد كان ابني رجلا شريرا فقد آذى الكنيسة وعاش حياة من الخطايا المهلكة وقد أغوى نفوسا أخرى مع نفسه ولكنه فعل ما هو أسوأ من ذلك ففي صبيحة أحد الأيام بينما كنت أخرج من غرفتي في هذا البيت رأيت زوجة ابني واقفة عند رأس الدرج كانت تقرأ رسالة ورأيت ابني يتسلل من خلفها وبدفعة سريعة واحدة وقعت وارتطم رأسها بالدرجات الرخامية وعندما انتشلوها كانت قد ماتت لقد كان ابني قاتلا وأنا فقط أمه كنت أعرف ذلك.

    أغمضت عينيها لحظة ثم تابعت: لا تستطيع -يا سيدي- تخيل ألمي ويأسي ماذا كان علي أن أفعل؟ أدينه أمام الشرطة؟ لم أستطع حمل نفسي على ذلك كان ذلك واجبا علي ولكن جسمي كان ضعيفا وفوق ذلك: هل كانوا سيصدقونني؟ كان نظري يضعف منذ مدة وكانوا سيقولون بأنني كنت مخطئة لزمت الصمت ولكن ضميري لم يسمح لي بالراحة فبلزومي للصمت كنت أنا أيضا قاتلة وقد ورث ابني أموال زوجته وازدهر كشجرة اللبلاب وأصبح الآن على وشك استلام حقيبة وزارية وسيكون أذاه للكنيسة مضاعفا ورأيت فيرجيني تلك الطفلة المسكينة الجميلة التقية بطبيعتها تتعلق به بشغف كانت له سلطة غريبة فظيعة على النساء ورأيت المصيبة قادمة رأي العين وكنت عاجزة عم منعها لم يكن ينوي الزواج بها وجاء الوقت الذي أصبحت فيه جاهزة لتسليمه كل شئ.

    عندها رأيت طريقي واضحا لقد كان ولدي فأنا التي أعطيته الحياة وكنت مسؤولة عنه وقد قتل جسد امرأة ويوشك الآن على قتل روح امرأة أخرى! ذهبت الى غرفة السيد ويلسن وأخذت قارورة الحبوب كان قال مرة مازحا بأنه كان في تلك القارورة ما يكفي لقتل رجل! ذهبت الى المكتب وفتحت علبة الحلوى الكبيرة التي كانت دائما على الطاولة فتحت علبة جديدة بالخطأ وكانت الأخرى على الطاولة أيضا وفيها قطعة واحدة باقية فقط وقد سهل ذلك الأمور علي فلا أحد يأكل الحلوى سوى ابني وفيرجيني وكنت سأبقيها معي تلك الليلة وقد حدث كل شئ كما خططت... 

    توقفت وقد أغمضت عينيها لبرهة ثم فتحتها ثانية وقالت: سيد بوارو انني بين يديك لقد قالوا لي بأن أيامي معدودة في هذه الحياة وأنا مستعدة لتحمل مسؤولية عملي أمام الله فهل علي أن أتحملها على الأرض أيضا؟

    ترددت ثم قلت لكسب بعض الوقت: ولكن ماذا عن الزجاجة الفارغة يا سيدتي كيف جاءت تلك الى حوزة السيد دوسان آلار؟

    قالت: عندما جاء ليودعني يا سيدي دسستها في جيبه لم أكن أعرف كيف أتخلص منها انني عاجزة الى الحد الذي لا أستطيع معه التحرك كثيرا دون أي مساعدة وكان العثور عليها فارغة في جناحي مسألة قد تثير الشكوك هل فهمتني يا سيدي؟

    ثم عدلت جلستها لتبلغ كامل طولها وقالت: كان ذلك دون أن أقصد القاء الشبهة على السيد دوسان آلار! لم أحلم أبدا بشئ كهذا فكرت بأن خادمه سيجد قارورة فارغة ويرميها دونما سؤال.

    انحنيت لها وقلت: لقد فهمت يا سيدتي.

    - وقرارك أيها السيد؟

    كان صوتها عازما غير متعلثم ورأسها مرفوعا أكثر من أي وقت مضى نهضت على قدمي وقلت: سيدتي يشرفني أن أتمنى لك يوما سعيدا لقد قمت بتحرياتي... وفشلت! انتهت القضية.

    صمت بوارو لحظة ثم قال بهدوء: ولقد ماتت بعد أسبوع فقط تلك يا صديقي هي القصة علي أن أعترف بأنني لم أوفق الى تخمين صحيح فيها.

    - ولكن ذلك لا يكاد يكون فشلا فما الذي بوسعك أن تخمنه غير ذلك في مثل تبك الظروف؟

    صاح بوارو وقد دبت فيه الحماسة فجأة: آه يا صديقي هل علتك أنك لا ترى؟ لقد كنت مغفلا ستا وثلاثين مرة! خلاياي الرمادية لم تعمل على الاطلاق فقد كان الدليل معي طوال الوقت.

    - أي دليل؟

    - علبة الحلوى! ألم تفهم؟ هل كان لأحد يمتلك كامل قوة بصره أن يرتكب خطأ كهذا؟ كنت أعرف أن المدام ديرولار تعاني من اعتام عدسة العين علمت ذلك من قطرات الأتروبين التي تستعملها كان في المنزل شخص واحد فقط ذو بصر ضعيف بحيث لا يستطيع أن يرى أي الغطاءين ينبغي وضعه على العلبة كانت علبة الحلوى هي التي وضعتني على طريق البداية في ذلك المسار ومع ذلك فقد فلت حتى النهاية -وباصرار- في ادراك مغزاها الكبير!

    وكذلك فان تحليلي النفسي كان خاطئا فلو كان دوسان آلار هو المجرم لما احتفظ أبدا بقارورة تدينه ان عثوري عليها لديه كان دليلا على براءته كنت قد عرفت آنفا من الآنسة فيرجيني بأنه كان شارد الذهن لقد كانت هذه القضية التي رويتها لك بمجملها قضية تعسة! لم أرو هذه القصة الا لك أنت هل تفهمني؟ لم أقم بتخمين جيد فيها! امرأة عجوز ترتكب جريمة بكل تلك البساطة والذكاء بحيث أغدو أنا -هيركيول بوارو- مخدوعا تماما تبا! لا أتحمل التفكير فيها! عليك أن تنساها. أو... كلا، بل تذكرها وان اعتقدت في أي وقت بأنني أصبحت مغرورا وهو أمر غير محتمل ولكنه قد يقع...

    أخفيت ابتسامة فيما تابع بوارو: حسنا يا صديقي ان رأيتني أصبحت مغرورا فما عليك الا أن تقول: "علبة الحلوى" اتفقنا؟

    - اتفقنا.

    قال بوارو متأملا: لقد كانت تجربة مفيدة في نهاية المطاف! أنا الذي أملك دون شك أبرع دماغ في أوروبا في الوقت الحاضر أستطيع أن أكون متساهلا واسع الصدر.

    تمتمت بهدوء: علبة الحلوى...

    - عفوا ماذا قلت يا صديقي؟

    نظرت الى وجه بوارو البرئ وهو ينحني متسائلا فشعرت بتأنيب الضمير لطالما عانيت على يدي بوارو ولكنني أيضا -رغم عدم امتلاكي أبرع دماغ في أوروبا- أستطيع أن أكون متساهلا واسع الصدر!

    أجبته كاذبا: لا شئ.

    وأشعل غليونا آخر وأنا أبتسم مع نفسي.
    جميع الحقوق محفوظة ل الف حكاية سودانية