تحركت فابيا مستيقظة في غرفتها في الفندق صباح الاثنين وعندما عاودتها الذكريات، عادت وغمضت عينيها الخضراوين الجميلتين فجأة وهي تتمنى لو انها مازالت في انكلترا.
بعد حوالي ثانية هزت رأسها بعنف تنفي بذلك ، هذه الخواطر من ذهنها لتعود فتفتح عينيها محاولة التفكير في النواحي المشرقة ولكن الشيء الوحيد
المزعج ، كما ادركت حين اوشكت الكآبة ان تعود اليها ، هو انه ، عدا أنه عن وجودها في مدينة الحمامات المعدنية الساحرة ماريانسكية لازنيه، وهي
المدينة التي كانت دوماً تتمنى زيارتها عدا عن ذلك ، لم يكن ثمة ناحية مضيئة في وجودها هنا.
فكرت في أنها لابد كانت معتوهة تماماً حين سمحت لشقيقتها كارا بأن تقنعها بالقيام بهذه الرحلة وحدها، ذلك ان كارا كانت اجرى بأن تنجح في هذه
المهمة لولا الظروف التي طرأت في آخر لحظة.
صحيح ان كارا كانت أكثر حنكة منها في الشؤون العملية ، ولكن هذا متوقع ، إذ كانت في الثامنة والعشرين من عمرها أي انها تكبرها بست سنوات وربما
ماكانت كارا قادرة على البقاء في حفل الصحافة لو لم تكن شديدة الحذق تعرف كيف تشق طريقها الى ماتريد ، وسواء كان هذا صحيحاً أم لا، فإن فابيا
كانت تسارع الى الدفاع عن أختها ولو بينها وبين نفسها.
وكان لكارا نصير قوي هو بارنابي ستيورات ، كان رجلاً متفوقاً لامعاً في وظيفته العلمية، ولكنه من ناحية اخرى كان شارد الذهن نوعاًما، ومهملاً بوجه
عام،وكانت هناك اوقات، كما تعرف فابيا جيداً .
كان بارني يدفع اختها ذات الكفاءة والعقل المنظم الى الحيرة والذهول ، ولكن مع هذا فقد وقعت شقيقتها في غرامه ثم تزوجها منذ عام واحد.
مدت فابيا يدها الى الطاولة بجانب السرير تتناول ساعة يدها ، كان الوقت مازال مبكراً ، ولم تكن مستعلجة لتبدأ يومها الذي قد ينتهي بنفس الخيبة الذي
انتهى به نهار امس وامس الأول واليوم الذي قبله ، وجلست متكئة الى حاجز السرير.
اخذت تفكر متأملة في ان الامور لم تسر كما كان مقرراً لها، وتمنت لو كانت كارا حاضرة ، كان يجب عليها ان تكون موجودة، إذ في الحقيقة ان كارا
وليست هي، المفروض انها ستقوم بهذه الرحلة الى تشيكوسلوفاكيا.
ودون شعور عادت فابيا بخيالها الى منزلها في غلوسترشاير حيث تعيش مع والديها في قرية هوك لايسي.
كان والدها يملكان مأوى يضم تسهيلات لإيواء الكلاب التي يذهب اصحابها لقضاء إجازتهم، وكانت فابيا مولعة بالكلاب والهررة ايضاً، لهذا السبب هناك
اقتراح بأن تتعلم البيطرة.
كانت تتابع دراستها في الجامعة عندما صعدت الى غرفتها ذات ليلة ليتبعها والدها بعد لحظة، بعد ان راودته نفس شكوكها التي روادتها مؤخراً حول هذه
الأمر، وهو يقول :
- انني اعلم ان امر العناية بالحيوانات هذا يحتاج الى شخص يتولاه،ولكنني غير متأكد من أن عملاً مرهقاً مثل هذا يناسبك ياحبيبتي.
قالت عندها :
-ولكن إذا انا لم ادرس الطب البيطري ، هل يجعلك هذا تشعر انني قصرت في حقك؟
اجابها:
- لا تكوني حمقاء ، فإن هذا الأمر يعود اليك .
عندما انهت دراستها الجامعية وجدت انسب عمل لها هو أن تقدم المساعدة في إطعام تلك الكلاب والعناية بها وإفراغ المزيد من الحب والرعاية لبقية
الحيوانات تلك.
كانت شقيقتها مولعة بالحيوانات هي ايضاً،ولكنها لم تجد الوقت الذي تقضيه معهم،ابداً، إذ أنها تركت منزل اسرتها مباشرة بعدما تعدت سن الثامنة عشرة
وبعد ان تزوجت بارني كماكانت تدعوه في لندن وكانت تأتي لزيارة أسرتها كلما سنحت لها الفرصة لزوجها.
ذات يوم ،وكان هذا منذ شهرين ،كانت كارا في المنطقة التي يعيش فيها اهلها ، في مهمة صحفية ، مرت لرؤيتهم ورواد فابيا شعور ما أن ثمة شيئاً غير عادي
تريد كارا تخبرهم به ولم تكن فابيا وحدها في هذا الشعور إذ أن والدهما وهو رجل قوي الملاحظة قال:
-هل ستخبرينا عن الأمر ،أم أنه سر؟.
قالت كارا :
-احزروا ماهو.
قالت الأم التي كانت متشوقة ال ان تصبح جدة :
- ربما انت حامل.
هتفت كارا ساخطة:
-أمي هل تريدينني ان اضيف عبئاً آخر الى العبء الحالي الذي يثقل كاهلي المرهق هذا ، وكذلك العناية ببارني؟.
كانت كارا لا تريد ان تترك عملها لتؤسس أسرة ، وهذا الموضوع كان يؤلم امها على الدوام ،ولكن لأنهم لم يروا كارا منذ عيد الميلاد الماضي ، وقد لا يرونها بعد الآن لعدة اسابيع اخرى،لم تحاول الأم مناقشتها في الأمر ، بل قالت بلطف:
-ولكنك طلبت منا ان نحزر...
تألقت عينا كارا وهي تقول:
- إحزروا ماهي المقابلة التي ستعتبر مقابلة السنة في المجلة؟.
كانت كارا قد استقرت اخيراً في العمل في مجلة ( الحقيقة).
قالت فابيا وهي تظن ان كارا تعني المقابلة التي قامت بها مؤخراً في المنطقة :
- إنها تلك المقابلة التي جئت تحدثيننا عنها.
قالت كارا :
- أوه ،كلا ، فهذه المقابلة تافهة بالنسبة الى التي سأحدثكم عنها.
سألها والدها :
- أتعنين انك لم تقومي بالمقابلة بعد؟.
أومأت كارا برأسها وهي تخبرهم بفخر،مشيرة الى انها عرفت هذا الصباح قبل التوجه الى تشالتنهام ،وبينما كانت تتفقد بريدها الخاص في المكتب، انها
حصلت على مقابلة صحفية مع مندلين غاجدوسك.
سألتها فابيا :
- أتعنين الكاتب التشيكوسلوفاكي.
مع انها لم تقرأ أي كتاب له ، فقد كانت تعلم جيداً أي مركز مرموق يتمتع به ذلك الكاتب في عالم الأدب.
أجابت كارا باختصار :
- هو نفسه.
وعادت تقول:
- انني لا اكاد اصدق ذلك،وانني مازلت أقرص نفسي للتأكد من أنني لا أحلم.
قال والدها :
- ولكنني أظن أنه يرفض إجراء أية مقابلات صحفية.
أجابت كارا :
- هذا صحيح، ولهذا امضيت اسابيع طويلة في إقناع سكرتيرته حتى امكنني النجاح في ذلك ، مازلت غير مصدقة حتى الآن ، رغم تسلمي رسالة منه تؤكد
ذلك.
بعد أن مضت بضع دقائق هنأوا فيها كارا لما اعتبروه انجازاً كبيراً ، سألتها والدتها :
- هل عليك ان تذهبي الى الفندق الذي ينزل فيه لإجراء هذه المقابلة ؟.
قالت كارا مستغربة:
-الفندق؟.
ولكنها مالبثت أن استطردت بعد أن ان ادركت ماتظنه والدتها :
- آه ، كلا ، عليّ أن أسافر اليه في بلده في تشيكوسلوفاكيا.
هتفت والدتها :
- تشيكوسلوفاكيا؟.
قالت كارا ضاحكة:
- إنها في شرق أوروبا ياأمي وليست في المريخ.
سألتها ولدتها :
- ألا يمانع زوجك في سفرك؟.
أجابت كارا:
- إن سرور بارني يعادل سروري ، لقد اتصلت به اخبره بالأمر حالما استلمت الرسالة،كلا يا أمي ، إنه لا يعارض في أي شيء يسعدني في عملي.
وابتسمت لتخفي ضيقها من رأي والدتها في وجوب التصاقها بمنزلها بعد الزواج اكثر من قبل ، واستطردت تقول:
- على كل حال فإن موعد تلك المقابلة لن يكون قبل السبوع الأول من نيسان- ابريل.
سألتها فابيا:
- ولكنني أظن أن زوجك سيسافر الى أميركا في آخرشهر آذار- مارس.
ابتسمت كارا قائلة :
- في الحقيقة كنت أتساءل كيف سأمضي أربعة اسابيع من دونه إذ انني قد اعتدت على وجوده معي ، ولكنني الآن قد صممت على أن ألحق به الى
الأولان ...
ونظرت الى شقيقتها متسائلة:
- لماذا لا تأتين معي الى تشيكوسلوفاكيا؟.
هتفت فابيا بلهفة:
-هل تعنين ذلك حقاً؟.
أجابت شقيقتها :
- طبعاً ستكونين مرافقة رائعة لي كما أنني واثقة من أنك ستسرين جداً بهذه الرحلة.
قال والدها مخاطباً كارا :
- لعلك تذكرين حين كان الأبناء المراهقون يزعجون آباءهم بموسيقى البوب، كانت فابيا تصدع روؤسنا بالموسيقى التشكية ليلاً ونهاراً.
ضحكت فابيا قائلة :
- هذه مبالغة.
ولكنها لم تنكر حبها للموسيقى التشيكية.
سألتها كارا:
- حسناً ماقولك؟
واستدارت فابيا الى والديها متسائلة وهي تقول:
- هل يمكنكما الاستغناء عني ؟.
أجابت الوالدة في الحال:
- إنك طبعاً تستحقين إجازة.
قال الوالد :
- يمكننا الاستغنار عنك مدة اسبوع .
ونظر الى كارا متسائلاً:
- أم أسبوعين؟.
قالت كارا:
- إن السيد غاجدوسك يعيش في قسم من تشيكوسلوفاكيا يدعى غرب بوهيميا، وكنت اعتزم السفر بالطائرة لأصل بسرعة لأبحث عن المنطقة التي يسكن
فيها وتدعى ماريانسكيه لازنيه، ثم اعود مباشرة الى انكلترا ، ولكن إذا جاءت فابيا معي ، ففي إمكاننا ان نسافر بالسيارة ،ثم نعبر البحر الى بلجيكا ونتوجه منها
الى المانيا ، وعندما انتهي من المقابلة يمكننا أن نقوم بإجازة ، نطوف في أثناءها في تلك الأنحاء وقد نذهب الى العاصمة براغ.
هتفت فابيا بحماس:
- أحقاً ؟.
وعلى هذا استقر الأمر.
اثناء الشهرين التاليين حزمت فابيا أمتعتها ،ثم حلتها ، ثم حزمتها من جديد ، واشترت قاموساً يعلم جملاً للمخاطبة باللغة التشيكوسلوفاكية، وعندما قال الوالد
ان سيارتها التي تلقتها هدية من والديها في عيد ميلادها الثامن عشر، هي اقوى بالنسبة لهذا السفر البعيد من سيارة شقيقتها كارا ، استقرالأمر على السفر
بسيارتها الفولز فاغن.
خلال هذه المدة كانت كارا وفابيا على اتصال هاتفي دائم ولكن بينما كانت الاثارة تجتاح نفس فابيا متصاعدة يوماً بعد يوم كلما اقترب موعد السفر،
وذلك لاقتراب زيارتها لبلاد الموسيقيين الذين تعشق الحانهم .
كانت الإثارة في نفس شقيقتها تتصاعد هي ايضاً ، وإنما لاقتراب موعد تلك المقابلة مع ذلك الكاتب الشهير فندلين غاجدوسك.
وبدا عليها وكأنها لا تصدق حظها الرائع ذاك في أنها هي الوحيدة التي اختار ان يجري معها المقابلة من بين كل اولئك الصحفيين وفي الحقيقة كانت هذه
هي قمة الشهرة في مهنتها.
عندما لم يبق على ابتداء الرحلة سوى أسبوع واحد، وبعدها انتهت من قراءة كتاب مترجم من تأليف فندلين غاجدوسك هذا ، شعرت فابيا نحو الكاتب
بنفس الرهبة التي تشعر بها شقيقتها نحوه ، مع أنها كانت تفضل النهايات الجميلة لما تقرأ ، فإنها لم تستطع ان تتمالك إعجابها بالنهاية العنيفة لتي أنهى بها
ذلك الكاتب الكبير كتابه القصصي ذاك.
لقد كان من حسن حظها ان تقابل الرجل الذي يكتب بهذا الشكل الرائع ، ولكنها فكرت متأملة ، وهي تغلق حقيبتها لآخر مرة في ذلك النهار الذي كان
صبيحة الثلاثاء، في أنها ،لولا شقيقتها كارا ماكان لها قط أن تحلم بمقابلة ذلك الكاتب الشهير.
أخذت مرة اخرى تفكر في مخطط رحلتهما تلك ، لقد سافر بارني زوج شقيقتها الى امريكا الخميس الماضي ، وهذا النهار ستذهب هي بسيارتها الى لندن
حيث تقيك شقيقتها ، وهناك كانت كارا قد خططت لكل شيء بمنتهى الدقة ، فهي ستشرع مع شقيقتها في الرحلة الى دوفر لتستقلا منها عابرة المانشن الى
أوستند صباح الاربعاء، ثم تجتازان عند وصولهما بلجيكا بالسيارة الى المانيا ومنها الى الحدود التشيكوسلوفاكية، وكما تقول كارا التي سبق وحجزت غرفة
في فندق في ماريانسكيه لازنيه سيكون وصولهما الى حيث تقصدان عند العصر.
ذهبت كارا قبل الساعة الحادية عشرة الى المجلة لتثبيت موعدها مع غاجدوسك صباح الجمعة، ثم وبعد ذلك تبدأ العطلة.
كانت هذه الرحلة تملأ ذهن فابيا عندما وقفت الى جانب سيارتها لتحي والديها تحية الوداع.
قالت الوالدة توصيها :
- والآن ، انتبهي إلى أن...
قاطعتها الابنة :
- لا تقلقي ياأماه إنك تعرفين كارا وكفاءتها ، ففي وجودها لا مجال للخطأ ابداً.
لكن بعد ساعات قليلة فقط أخذت فابيا تتمنى لو انها دقت على الخشب قبل ان تقول ذلك لأن ثمة شيئاً حدث لم يكن بالحسبان ، كان شيئاً فظيعاً ، وكان
ذلك قبل ان يتركا انكلترا !
ارتسمت على شفتيها ابتسامة سعيدة واثقة وهي تسوي شعرها الذهبي الطويل خلف اذنيها وقد وقفت امام باب شقة شقيقتها تنتظر ان تلبي رنين الجري.
لكن سرعان ماتلاشت ابتسامتها الحلوة تلك، عندما فتح الباب لتدرك هي من النظرة الأولى الى وجه كارا، أن شقيقتها العزيزة كانت تبكي ، واندفعت معها
الى داخل الشقة وهي تهتف :
- كارا حبيبتي ... ماذا حدث؟.
انفجرت كارا قائلة بتعاسة:
- لا يمكنني السفر يافابيا.
اهتزت فابيا وسألتها:
- لماذا؟ ماذا جرى ؟.
كانت تريد ان تعرف ماالذي يمكن ان تساعدها به مهما كان سبب ذلك .
اجابت كارا:
- إنه بارني، إنه مريض يافابيا.
كان من الواضح انها امضت وقتاً عصيباً ذرفت اثناءه كثيراً من الدموع.
تأوهت فابيا بألم وهي تقول :
- أوه، كلا...يا حبيبتي...
ووضعت ذراعها حولها وجلست معها على الأريكة وسألتها وهي تدعو من اعماقها ألا يكون الأمر خطيراً :
- ماالذي حدث له؟.
أجابت كارا:
- إنهم لا يعرفون ماذا يعاني بعد ، لقد تلقيت النبأ منذ حوالي ثلاثة ارباع الساعة ، إنه يشبه فاقد الوعي، ومستغرق في الهذيان ، يقولون إنه التقط فيروس
سبب له هذا والأطباء يجاهدون كالمجانين لكي يكشفوا حقيقة مرضه.
قالت لها:
- وأنت بطبيعة الحال ستذهبين اليه.
اجابت:
- لقد اتصلت بالمطار وحجزت مقعداً في اول طائرة ، هل يمكنك ان تأخذيني الى المطار ؟ أشعر أنني عاجزة عن إمساك عجلة القيادة.
أجابت فابيا دون تردد:
- طبعاً سأخذك.
وكانت على وشك ان تقول انها ستذهب معها في نفس الطائرة ، عندما منعها من ذلك تغير ملامح كارا، وكانت تعرف شقيقتها جيداً ، لهذا لم تعجب حين
رأت كارا ، رغم مرض بارني الشديد ، تجاهد للتغلب على هذه الصدمة التي تلقتها منذ اقل من ساعة .
كذلك حين برزت كفاءة كارا وهي تقول:
- أظن ان في إمكانك أن تتابعي طريقك الى دوفر بعد ان ان توصليني الى المطار.
ثم تابعت كلامها قبل ان تعلن فابيا أنها لا يمكن ان تحلم بالسفر بدونها الى تشيكوسلوفاكيا :
- إن العبور لا يستغرق اكثر من اربع ساعات يمكنك اثناءها ان تأخذي اغفاءة قصيرة ترتاحين فيها قبل...
وسكتت كارا، وبدا عليها انها تجاهد بكل قدرتها لتبقى ذهنها بعيداً عن حالة زوجها الحبيب ، ثم عادت تتابع حديثها:
- ان من الحماقة البالغة ان اخسر هذه المقابلة لا تحدث إلا مرة في الحياة.
كانت فابيا قد نسيت هذه اللحظة ، كل شيء عن موعد يوم الجمعة بالنسبة الى كارا، ولكنها قالت لها بعطف صادق:
- كم أنا آسفة لأجلك.
كانت تعلم جيداً كم كان يعني هذا الموعد لأختها ، ولم تكن تملك نحوها سوى الحب الخالص وهي تراها امام الخيار الصعب الذي كان ،إما الالتحاق
بزوجها الحبيب، وإما الذهاب الى ذلك الموعد البالغ الاهمية بالنسبة لمهنتها ، ولم تردد كارا في اختيار السفر الى حيث حبها وواجبها يعوانها، ولكن عندما
طفحت عينا فابيا بالدموع خشيت أن تمنعها عواطفها من النظر في الكيفية التي يمكنها بها مساعدة شقيقتها ،وهكذا قالت لها ، وهي تحاول ما أمكنها الأمر
تمالك عواطفها :
- ربما يمكن لشخص آخر ان يقوم بهذه المقابلة لأجلك.
استدارت كارا اليها وعلى فمها ابتسامة شجاعة وهي تقول:
- يمكن ذلك، في الواقع .
وشجعت فابيا هذه الابتسامة لتبتسم بدورها ، ولكن ابتسامتها هذه لم تدم اكثر من لحظة قالت كارا بعدها :
- إنه أنت.
هتفت فابيا:
- أنا؟.
وسرعان ما ادركت أن شقيقتها لم تكن تمزح.
تابعت كارا وهي تتجاهل نظرات شقيقتها ، غير المصدقة لتقول:
-من الواضح انك أنسب من يقوم بهذا العمل لأجلي ، لقد فكرت في ذلك تماماً في ذلك الوقت الذي تلقيت فيه الخبر عن زوجي والذي كان أطول ثلاثة
ارباع ساعة مرت عليّ في حياتي ،وذلك بين تلقي الخبر وحضورك، وكانت النتيجة انه أنت فقط من يصلح لذلك ، وقد جهزت قائمة بالاسئلة التي يجب ان
تسأليها له و...
هتفت فابيا باحتجاج:
- كارا.
كانت تحاول منعها ، ما أمكنها من المتابعة :
- لا يمكنني القيام بذلك.
وعندما تحولت نظرة شقيقتها الى العداء ،تابعت تقول:
- يمكنك طبعاً أن تكتبي الى السيد غاجدوسك او الاتصال بها هاتفياً ، وقد استطيع انا القيام بذلك بالنيابة عنك.
لم تكن تريد ان تسيء الى علاقتها بشقيقتها خصوصاً في وقت كهذا ، وتابعت:
- إن السيد غاجدوسك سيتفهم الأمر ، انني متأكدة من موافقته على تأجيل الموعد إذا...
قاطعتها كارا غاضبة :
- طبعاً لا، لقد عانيت الكثير في سبيل ان احظى بقبوله لرؤيتي، وأنا لا يمكن ان اوقول له بعد الموعد الوحيد الذي وافق عليه ، انه لا يمكنني الحضور ،
فأخسر كل شيء ، هذا الى جانب أن سكرتيرته ميلادا بانكر اكوفا اوضحت في رسالتها اليّ التي تحدد لي الموعد، أن هذا هو آخراتصال يريدونها بهذا
الموضوع، وأن مخدومها ليس عنده وقت او رغبة في تكرار الحديث عنه ، وأن عليّ فقط أن احضر في الموعد المحدد.
وسكتت وهي ترمق فابيا بنظرة قاسية دون ان تبتسم ، واستطردت:
- وفي مثل هذه الحالة ، فلن أكون أنا من يقابل ، بل أنت.
أخذت فابيا تقول بيأس :
- ولكن ياكار..
وتذكرت عناد كارا الغريب وإصرارها على الفكرة التي تطرأ على ذهنها ، وتابعت :
- ألا يمكنك ان تكلفي احداً من زملائك لينوب عنك؟ إنهم جميعاً اختصاصيون ...
قالت كارا:
- لابد ان عقلك ليس معك، لقد سبق واوضحت لك انني مرغت نفسي في التراب لكي احصل على هذا الموعد ، فإذا تصورت انني سأسمح بأن اخسر
هذه الفرصة التي سعيت اليها للارتقاء مهنياً ليأتي شخص آخر من المجلة ويضع اسمه تحت المقابلة هكذا بكل بساطة...
سألتها فابيا:
- ألا يقبلون ،بالنسبة لظروفك بأن يضعوا اسمك أنت...
نهرتها كارا قائلة:
- تباً لك!مازال امامك الكثير لكي تتعلمي.
لكن فجأة امتلأت عيناها بالدموع ليمتلئ قلب فابيا بالحنان ، وجاهدت لكبح دموعها بينما استطردت كارا بصوت كسير: ألا يمكنك ان تقومي بذلك
لأجلي؟ إنها ساعة واحدة من حياتك وهذا كل مايستغرقه الأمر.
بكت فابيا وهي تقول:
- أوه ياكارا.
حقاً ماذا تعني ساعة واحدة من حياتها تبذلها لأجل شقيقتهاالحبيبة؟ وشعرت بنفسها في غاية الدناءة إن هي رفضت ذلك.
عادت كارا تقول:
- إنني لا اطلب منك أن تكتبي المقابلة بنفسك ، إذ انني انا سأكتبها بعد أن تعطيني الأجوبة والملاحظات كل ماأريده منك هو أن تحضري لي معك
الملاحظات والاجوبة معاً ألا يمكنك أن تفعلي ذلك لأجلي ياحبيبتي؟.
كيف يمكن لفابيا ان ترفض ؟ وأجابت :
- طبعاً.
وفي طريقها الى المطارأخذت فابيا تستمع الى إرشادات شقيقتها وتعليماتها ،واعطتها هذه عنوان فندلين غاجدوسك وهي تلح عليها بأن تتذكر ما إذا كان
ثمة شيء آخر تريد أن تسألها عنه.
في المطار كان لا يزال ثمة وقت يمضيانه معاً، فسألتها فابيا عما إذا كانت تريد أن تتصل بوالديها لتخبرهما عن حالة بارني ، ولكن كارا قالت:
-لا أظن ذلك ، إذ لابد ان يكونا الآن في الفراش ، فإذا ساءت الامور مع بارني...
وتهدج صوتها وهي تستطرد:
- فإنني عند ذلك سأتصل بهما ولكن بالمناسبة اعملي معي معروفاً ولا تتصلي بهما أنت ايضاً ، إنك تعرفين مبلغ قلقهما الذي سيشعران به تجاهك مما
يجعلهما يحاولان ثنيك عن السفر الى تشيكوسلوفاكيا .
وجدت فابيا نفسها تقول بالرغم عنها:
- ولكنني اكره أن أكذب عليهما.
قالت كارا:
- ليس عليك أن تكذبي ، بما أنك ذاهبة في إجازة بالسيارة فلن يتوقعا منك اكثر من بطاقة بريدية احياناً منا نحن الاثنتين ، وبما انك قد ترسلين بطاقة فلا
بأس إن اضفت اسمي فيها الى اسمك، فهما لم يتوقعا بطاقة من كلمنا ،وبمناسبة ذكر البطاقات ، من الافضل أن تأخذي مني بعض بطاقات العمل التي
تخصني.
لم تعرف فابيا ماذا يسمى إضافة اسم كارا الى اسمها على البطاقة ، إذ لم يكن هذا كذباً ،واخرجت كارا من حقيبتها عدداً من بطاقات التي اعتادت شقيقتها
ان تذكر اسمها عليها قبل الزواج ( كارا كينغسدال- مجلة الحقيقة)
اقترحت كارا:
- إحتفظي بهذه البطاقات لتبرزيها للسيد غاجاوسك إن طلب منك اثبات شخصيتك.
ثم هتفت وقد تذكرت شيئاً، ثم اخرجت رسالة مفتوحة عليها طابع تشيكي وناولتها إياها ايضاً إذ انها تتضمن وقت وتاريخ المقابلة التي سبق وتلقتها من
السكرتيرة.
سألتها فابيا بكل براءة:
- ألن ينزعج السيد غاجدوسك عندما يعلم ان من ستجري له المقابلة ليست صحفية مؤهلة؟.
وسرعان ما أدركها الرعب فقط للغضب الذي ظهر على ملامح شقيقتها ، بل لما قالته شقيقتها لها وهي تنفجر فيها بصبر نافذ:
- آه ، هذا صحيح ، إياك أن تقولي له إنك لست صحفية مؤهلة بل عليك أن تتظاهري بأنك أنا كارا كينغسدال.
شهقت فابيا بذعر وهي تقول :
- ولكنني لا استطيع القيام بذلك.
قالت كارا بعنف:
- ولكنه لا يعرفنا من قبل، كما أنه لن يرانا بعد ذلك.
وخفضت من صوتها إذ شاهدت شخصين يلتفتان ناحيتهما وفجأة تغيرت لهجتها تماماً وهي تستطرد قائلة:
- هل يضايقك كثيراً أن تتظاهري لأجلي ، بأنك أنا لمدة ساعة واحدة؟ هل ستتخلين عني الآن؟.
سارت فابيا في طريقها نحو دوفر وهي تشعر بالتعاسة والكراهية لنفسها ، إذ انها بدلاً من ان تقدم لأختها الحزينة كل معونة تستطيعها اخذت على العكس تعقد
الأمور.
وحاولت ان تشعر بالبهجة حين صعدت بسيارتها الى العبارة وهي تتذكر كيف انهارت مستسلمة بسرعة عندما سألتها كارا:
- هل ستتخلين عني الآن؟.
لقد اطمأنت الآن الى أن كارا ستسافرمطمئنة الى أن شقيقتها وعدتها بأنها لن تتخلى عنها ابداً.
كان عبور فابيا البحر الى اوستند دون حدث يذكر، فقد كانت تأمل بأن الأمور ستكون على مايرام بالنسبة الى زوج شقيقتها ، كان عندها كراهية فطرية
للكذب والخداع ، ولكنها وافقت على أن تقوم بهما معاً ، فقد كان وضعها لاسم كارا بجانب اسمها على بطاقة ترسلها الى والديها ، هو كذب ، ثم أليس من
الخداع أن تذهب لإجراء مقابلة مع فندلين غاجدوسك في منزله مدعية بأنها كارا؟.
اجتازت فابيا بسيارتها بلجيكا لتدخل الى المانيا متمنية من اعماقها لو تغمض عينيها ثم تفتحهما لتجد ان اليوم هو السبت ، وأن المقابلة يوم الجمعة ، مع
ذلك الرجل الكبير قد انتهت.
في طريقها الى المانيا خطر على بالها فجأة أنها نسيت أن تسأل شقيقتها عن الوقت الذي ينبغي عليها أن تعود فيه الى انكلترا.
لقد تضاءل بعض حماسها، الذي كان لقرب رؤيتها لتشيكوسلوفاكيا بسبب ماحدث، ولكنها استنتجت من اقتراح كارا بالنسبة لإرسالها بطاقات تحية الى والديها
أن شقيقتها تتوقع منها أن تمضي اسبوعي الإجازة كاملين كما سبق وقررتا، هل هذا ما أرادتها كارا أن تفعل؟ واعترفت فابيا بأن فكرة القيام بتلك المقابلة
دون إيفائها حقها من العناية ، ثم التوجه عائدة، كان لهذا اغراء كبير ،ومن ناحية اخرى كان ثمة شيء يشدها الى الوراء يمنعها بقوله تريثي.
ادركت عند ذاك أنها كانت متعبة مشوشة الذهن ، القت نظرة سريعة على ساعتها التي قدمت توقيتها ساعة لتناسب فرق الوقت ، وكانت قد تعدت السادسة ،
وجدت انها تقود سيارتها بشكل متواصل منذ التاسعة صباحاً باستثناء توقفها للتزود بالوقود ولتناول فنجاناً من القهوة.
وبعد ذلك بوقت قصير ، توقفت في مدينة بامبرغ البالغ عمرها ألف عام ، غداً ستتابع طريقها نحو الحدود التي تفصل بين المانيا وتشيكوسلوفاكيا متوجهة
نحو غايتها في ماريانسكيه لازنيه.
استيقظت فابيا في غرفتها في الفندق في بامبرغ وهي تفكر في أنه لو كانت كارا معها الآن حيث أن غايتها قد اصبحت قريبة ، لكان في إمكانهما أن يخرجا
معاً ليلقيا نظرة على ماحولهما ،ولكانت أحبت ان تلقي نظرة على ساحة الكاتدرائية في المدينة حيث كانت تقوم قلعة بامبرغيوما ، ولكن شقيقتها لم تكن
معها ، وبينماكانت تتضرع لكي يشفى بارني كانت تشعر بالتوتر وبحاجتها الى التنقل.
توقفت مرة واحدة لتتزود بالوقود ، ثم تابعت سيرها الى الحدود الالمانية ومنها ستة اميال لتتوقف بعد ذلك ، في تشيب على الحدود التشيكوسلوفاكية
حيث استبدلت بعض العملة الانكليزية بالتشيكية ، ثم تابعت سيرها وهي تتساءل عما إذا كان شعورها بالتوتر ذاك سيستمر معها الى وقت الغداء في الغد ، إذ تكون عند ذاك قد اتمت المقابلة واخذت اجوبة كل اسئلة التي وضعتها كارا، وسيكون في استطاعتها ، من ثم ، ان تجلس لتتنفس بارتياح .
لكن الامور لسوء الحظ لم تسر بهذا الشكل ، لقد مر في البداية كل شي على مايرام ، فقد وصلت الى فندقها في ماريا نسكيه لازنيه بعد ظهر يوم الخميس
ومع استمرار شعورها بالتوتر تركت الفندق ،ثم سارت قليلاً في الشارع الرئيسي هلافني تريدا، وكنها لم تستطع التخلص من قلقها وشعورها بالذنب فعادت
الى فندقها وهي ترجو من كل قلبها أن لا تعود الظروف وتضطرها الى أن تمثل شقيقتها مرة اخرى.
لم تكن جائعة بشكل خاص، ولكنها نزلت الى غرفة الطعام في الفندق حوالي الثامنة ذلك المساء لتعود بعد ذلك الى غرفتها وتمضي ليلة غير مريحة.
في الصباح التالي نظرت من نافذة غرفتها في الفندق في منطقة غابة سلافكوسكي الى حيث التلال المشجرة تحيط بماريانسكيه لازنيه، وكنها لم تشعر بأية
متعة في أي منظر .
وبعد ان تناولت في غرفة الطعام شيئاً من القهوة واللبن توجهت نحو مكتب الاستعلامات لتسأل عن الاتجاه الى منزل السيد غاجدوسك.
عادت الى غرفتها ثم ارتدت اجمل ملابسها ، طقماً من الصوف بلون الحشائش ، وأحسنت تسريح شعرها الذهبي ثم تركت الفندق في اتجاه ضاحية
ماريانسكيه لازنيه.
كانت لا تزال متوترة لما تقوم به من خداع الى ذلك بعاطفتي الولاء والحب لشقيقتها ماجعلها لا تكاد تلحظ البنايات الكبيرة على جانبي الطريق نحو
الوادي حيث تنتهي المدينة ليبدأ طريق معبد خلال الغابات ، حيث كان طريق ضيق الى اليسار ، وكان هو الطريق الذي كان عليها أن تسلكه حسب
الارشادات.
وفي نهاية ذلك الطريق كان عليها أن تتوجه يميناً لتسير عدة مئات من الياردات لتنتهي الى بيت رائع الجمال مؤلف من اربعة طوابق وكان هذا هو المنزل
الذي يسكنه الرجل الذي جاءت خصيصاً لكي تجري معه المقابلة.
نظرت الى ساعتها بينما كان قلبها يخفق بعنف ، ذلك أنها لم تكن معتادة على وضع كهذا ، مما جعلها تشعر بالغثيان وأدركت أنها وصلت مبكرة عن الموعد
المقرر بربع ساعة.
على كل حال ، في محاولة منها للظهور بمظهر الهدوء والبرود وتمالك الجأش خرجت من سيارتها متباطئة ثم اتجهت نحو الباب الأمامي للمنزل.
تسمرت عند العتبة وقد تملكها ذعر جعلها تفكر بالهرب ،ولكنها مالبثت ان مدت يدها تضغط على زر الجرس، لقد فات أوان الهرب الآن ، وبينما كانت فابيا
تجاهد في سبيل تمالك اعصابها أخذت تفكر في الاسئلة التي وضعتها لها كارا لتكتشف انها لا تستطيع ان تتذكر واحداً منها.
عندما تصاعدت خفقات قلبها سمعت خطوات في الداخل تتجه نحو الباب وشعرت فابيا بخيبة أمل إذ لم يكن من فتح الباب هو الرجل الذي جاءت
لتجري معه المقابلة ،بل امرأة متينة البنيان في حوالي الخمسين من عمرها.
ارتسمت ابتسامة على وجه فابيا وهي تتمتم بالتحية وردت المرأة التحية بلغتها.
كانت ابتسامة فابيا إكراماً لشقيقتها فقط حيث ان قلبها كان لا يزال يخفق وهي ترى هذه السيدة التي قد تكون زوجته أو مدبرة منزلة أو أي شيء آخر... لا
تعرف كلمة من اللغة الانكليزية.
ابتدأت تقول:
- ان اسمي هو فا....
ها أنها قد ابتدأت اول اغلاطها ... بينما لم تكد تبدأ بعد وابتسمت وهي تعود فتقول:
- ان اسمي كارا كينغسدال.
وعندما لم تحظ بجواب من المرأة،عادت تقول:
- انني جئت لمقابلة السيد غاجدوسك .
ولاحظت شيئاً من التجاوب في وجه المرأة عندما سمعت الاسم فأخذت تعمل ذهنها في كيفية جعل المرأة هذه تفقه ماتقول، وفجأة تذكرت بطاقات
العمل التي سبق واعطتها إياها كارا، ففتحت حقيبتها لتخرج واحدة منها تناولها الى المرأة آملة أن تأخذها الى سيد المنزل.
شعرت بالارتياح حين القت المرأة نظرة سريعة على البطاقة ثم اختفت، عندما سمعت فابيا صوت الخطوات تقترب مرة اخرى عاد قلبها الى الخفقان ولكن
عندما رأت امرأة اخرى وليس رجلاً يرافقها عادت خفقات قلبها الى انتظامها .
كان من الواضح من منفضة الغبار التي كانت في يدها ان هذه المرأة الثانية كانت خادمة قوطعت اثناء تأديتها لعملها.
حيتها هذه المرأة بانكليزية بشكل جيد ام لا فإن فابيا شعرت بالارتياح لأن تجد من يمكنها التفاهم معه، وعاد الى نفسها التوتر بعد أن علمت من هذه
المرأة ان الرجل الذي ستجري معه المقابلة لم يكن موجوداً.
سألتها فابيا ببطء:
- اتعنين انه غير موجود هذه اللحظة؟.
ولما وجدت ان المرأة لم تفهم كلامها عادت تكرر ماقالت ببطء أشد الى أن قالت الخادمة فجأة :
- براغ.
هتفت فابيا غير مصدقة:
- أهو هناك ؟.
ورغم ان المرأة أومأت برأسها إيجاباً ، بقيت لا تستطيع التصديق.
قالت فابيا معترضة:
- ولكن لدي موعد معه .
ولاحظت أن المرأة لم تفهم كلمة موعد، ولكن هذا لم يكن مهماً على كل حال، وتساءلت عما إذا كان السيد غاجدوسك سيعود من براغ هذا النهار تبعاً
للموعد الذي بينهما، وتأخرلسبب ما ، وعادت تسأل المرأة :
- هل تتوقعين عودة السيد غاجدوسك هذا النهار؟.
وعندما لم تفهم هذه سؤالها أشارت فابيا الى ساعتها وهي تقول بواسطة الاشارات :
- متى سيكون السيد غاجدوسك هنا؟.
راعها جواب المرأة :
- بعد اسبوع واحد.
بعد ذلك بعشر دقائق استقلت فابيا سيارتها عائدة الى فندقها مصعوقة لا تكاد تصدق ماحدث ، لقد بذلت جهداً مع تلك المرأة الخادمة قد استطاعاتها
ولكنها لم تأخذ منها سوى جملة واحدة هي ( اسبوع واحد ) .
وأخيراً تذكرت أن شقيقتها كانت على اتصال بسكرتيرته ميلادا بانكراكوفا فسألت المرأة :
- وسكرتيرة السيد غاجدوسك ميلادا بانكراكوفا؟.
بان الفهم على وجه المرأة مما بعث الانتعاش في نفس فابيا ،ولكن المرأة قالت:
- لقد ذهبت .
وأدركت فابيا أن رحلة السيد غاجدوسك الى براغ لابد أن تكون للعمل مادام اصطحب سكرتيرته معه، والآن ماذا يجب عليها عمله ؟.
ادركت فابيا وهي تتناول القهوة في بهو الفندق مايجب عليها عمله وهو ان تعود الى انكلترا دون تأخر ، لقد حاولت ان تقوم بما ارادت كارا القيام به الى
منتهاه حيث قرعت جرس باب السيد غاجدوسك.
أخذت ترشف قهوتها ببطء، نعم لقد قامت بكل ماتستطيع لأجل كارا ولكن ... شعرت بالضيق إذ انتابتها فكرة ...هل تراها قامت حقاً بكل ماتستطيع ؟ وهل
هذا صحيح؟.
وخزها ضميرها وهي تتساءل عما إذا كان مجرد قرع جرس باب السيد غاجدوسك كاف جداً ،وضغط على نفسها التفكير في شقيقتها الحبيبة ومعاناتها ،
ودفعها ضميرها بالاشتراك مع حبها لشقيقتها إلى التفكير بأنها لابد أن تقوم بأكثر من ذلك.
من المفروض انها الآن في إجازة من العمل ، فماالداعي لها الى الإسراع في العودة الى وطنها؟ ومادامت هذه المقابلة ضرورية بالنسبة لشقيقتها ، فماالذي
يمنعها من البقاء اسبوعا ًتنهي بعده المقابلة؟
كانت فاببيا تعلم الآن انها قد استقرت على هذه الفكرة رغم عمد رغبتها في العودة الى ذلك المنزل الفخم الرائع الجمال بعد اسبوع ، ذلك انها لا تضمن
قبول السيد غاجدوسك إجراء المقابلة ، بعد ذلك ولكنه حيث ان سكرتيرته كتبت لكارا رسالة بهذا المعنى ، لابد ان يراها حسب هذا الوعد.
لم تشأ فابيا ان تسيء الظن في تصرف السيد فندلين غاجدوسك الذي اخلف ذلك الموعد رغم علمه التام ان ثمة من سيأتي من انكلتراخصيصاً للاجتماع
به ، فقد فكرت في ان ذلك الموعد قد وضع منذ شهرين ومن الممكن جداً ان يكون هو او سكرتيرته ، قد اتصل بإدارة المجلة يوم الاربعاء قبل الموعد
بيومين ليترك خبراً بتغيير الموعد دون ان يخطر في باله ان الصحيفة التي ستقوم بالمقابلة، إنما قد اختارت السفر براً لتباشر بذلك قبل ايام من الموعد وذلك
بدلاً من القدوم بالطائرة قبل يوم واحد.
وإذ ادركت الآن ان استياءها من فندلين غاجدوسك كان قصير الأمد سرعان ماتلاشى ، عادت الى القلق بشأن كارا وبارني ، والمقابلة التي كان يجب ان
تكون الآن منتهية ، بينما هي لم تبدأ بعد ،وهذا يعني انه مازال امامها اسبوع من المعاناة.
صمتت فابيا اخيراً على معاودة التفكير بهذا الأمر رغم صعوبة ذلك ولكنها ستحاول جهدها على كل حال ، وتحمل نفسها على الاستمتاع بهذه الأيام السبعة
معتبرة إياها عطلة حقيقية دون ان تفكر في أي شيء آخر.
بوصولها الى هذا القرار تركت فابيا الفندق ، ولكونها متعودة على ممارسة رياضة المشي اخذت تكتشف الطرق الرئيسية والفرعية لضاحية ماريا نسكيه لازنيه،
وتوقفت عدة مرات تتناول شراباً منعشاً لتعود بعد ذلك الى الفندق حوالي الساعة السادسة بعد أن وجدت تلك الضاحية في منتهى الجمال.
يوم السبت اخذت تطوف مرة اخرى في الشوراع الواسعة النظيفة المشجرة ذات الحمامات المعدنية بأعمدتها المزخرفة وكانت قد قرأت كيف ان هذه
المدينة تشكل قسماً مما يسمى الآن بغرب بوهيميا ، اما المدينتان الاخريان فكانتا مدينة كارلوفي فاري وفرانتيسكوفي لازنيه.
اخذت تتمشى بين ابنية تعود هندستها الى القرن التاسع عشر ومؤلفة من أربعة طوابق الوانها اما بيضاء ملونة بالأصفرو إما العكس ، وذات اسطح حمراء او
خضراء وعادت الى فندقها ، لقد بقي امامها خمسة ايام كاملة عليها ان تمضيها قبل ان تجري المقابلة مع فندلين غاجدوسك وأمضت في ذهنها فكرة، لم
تزور المدينتين الأخريين؟ هذا إذا كانتا غير بعيدتين؟ وعندما وصلت الى الفندق توجهت رأساً الى مكتب الاستعلامات تسأل الموظف عن ذلك.
اجاب الموظف وهو يلتهم ملامحها الجميلة بأنظاره:
- لي السرور بأن اجيبك على ذلك.
استيقظت فابيا صباح الاحد وهي تفكر في كارا وبارني وفي الرجل الذي لم تقابله بعد ومازالت تسعى لذلك رغم الشعور بالذنب الذي ينتابها.
بعد ان تناولت طعام الافطار اتجهت نحو مدينة الحمامات المعدنية الاخرى وبعد حوالي الخمسين دقيقة كانت تسير في حدائق الحمامات تلك، بين
المقاعد حيث كانت فرقة موسيقية تعزف ، بقيت فابيا تطوف في تلك الانحاء قرابة الساعة وهي تتذكر وصف الشاعر ( غوته) لها بالفردوس على الأرض
واخذت تتمنى لو كانت إجازتها اطول مماهي.
كانت في اسعد لحظاتها عندما عادت الى سيارتها التي سارت بها شوطاً قصيراً ، ثم عادت فتوقفت لكي تتأمل في الخارطة وعندما ارادت السير مرة اخرى
لم تتحرك السيارة.
انتظرت قليلاً غير مصدقة بأن السيارة لن تتحرك وعندما فشلت في ان تجعلها تسير مرة اخرى ، بشيء من المحاولات داخل السيارة ، ولم يأت بجدوى
خروجها من السيارة ادركت ان ثمة خطأ ميكانيكياً في السيارة، لترفع الغطاء عن المحرك، ملقية نظرة رغم جهلها التأم بالميكانيك، فقد كانت تدرك انها لن
تتمكن من معرفة الخطأ ولو كان مكشوفاً امامها.
جلست في السيارة تفكر في مايمكنها ان تفعل حين حانت منها التفاتة الى المرأة العاكسة للمنظر الخلفي لتجد خلفها سيارة مرسيدس تنتظر تحركها لأنها
هي كانت تتوسط الشارع تماماً.
لم يكن امام فابيا سوى ان تنزل من السيارة لتتوجه نحو المرسيدس تلك مبدية عذرها ، وعندما وضعت يدها على مقبض الباب ادركت ان ليس ثمة حاجة
تدفعها الى ذلك بعد ان لاحظت من المرآة رجلاً طويلاً ارستقراطي المظهر يترجل من سيارة المرسيدس ثم يتوجه نحوها .
عندما اقترب انزلت زجاج سيارتها ،ولم يكن ثمة حاجة لأن تشعر بالحيرة بالنسبة للتفاهم معه، إذ ان ذلك الرجل البالغ الأناقة انحنى بشعره الاسود على
نافدتها قائلاً بانكليزية سليمة:
- هل ثمة مشكلة؟.
اجابت بسرعة:
- إن... إن سيارتي لا تتحرك.
وابتدأ قلبها يخفق عندما اخذت عيناه الذكيتان الثاقبتان تتأملان شعرها الذهبي الطويل وعينيها الخضراوين وملامحها وبشرتها وتابعت تقول:
- لقد كانت على مايرام ولكنها توقفت الآن تماماً.
حاولت ان تتمالك جأشها وهي تدرك ان لوحة سيارتها البريطانية لا تتطلب منه ذكاء كبيراً لكي يدرك انها انكليزية.
قال بلهجة رقيقة:
- أظنك قمت بكل المحاولات؟.
وسرها منه لهجته غير المتعالية.
اعترفت قائلة :
- لقد رفعت غطاء المحرك ، ولكن لم افهم منه شيئاً.
اجاب الرجل الذي كان يبدو في أواسط الثلاثنيات من العمر:
- وكذلك انا لا افهمه كثيراً.
بينما كان قلب فابيا يخفق بعنف لسحر لهجته اندفع هو يقول مشيراً الى مسافة تبعد قليلاً الى اليمين :
- حركي سيارتك الى هناك بينما ادفعك أنا، ثم اقطر سيارتك بسيارتي واسحبها الى المرآب.
كانت فابيا لا تزال مصعوقة بفكرة ان سيارتها الفولز فاغن بولو ستقطرها المرسيدس وعندما تحول الرجل الغريب الى خلف سيارته كان عليها ان تتحرك هي
بالسيارة .
كانت لاتزال غير مصدقة مايحدث لها، عندما كانت سيارتها تدخل المرآب بأمان.
استدارت نحو الرجل الغريب تشكره قائلة:
- اشكرك جداً لماتكلفته من عناء لأجلي في احضاري الى هنا.
كان هو قد انهى الحديث مع الميكانيكي الذي كان يكشف على سيارتها وتابعت معه :
- اعتذر ان كنت اخذت الكثير من وقتك.
كانت تتحدث بسرعة عندما ظنت انه قد يكون على موعد وتخشى ان يتأخر عنه.
لكن سرها منه ان يقول:
- إنني لست مستعجلاً ، فأنا في إجازة.
هل كان يعني بالإجازة يوم الأحد؟ أم انه يعني قضاء إجازة في المنطقة؟ ومع ان فابيا تمنت لو تلقي عليه هذا السؤال ، الا انها كانت تدرك ان قصد معرفة
الواحد منهما بالآخر لا تسمح لها بإلقاء هذا السؤال او إلقاء اية ملاحظة، قالت شاكرة :
- حسناً ، اشكرك على كل حال.
ابتسمت له وهي تلاحظ نظراته تتوقف على ثغرها، ومالبث الميكانيكي ان ترك سيارتها واتجه نحوهما.
بينما أخذ الرجلان يتحدثان بلغة لا تفهمها ، وقفت هي جانباً راجية ان لا يكون العطل في سيارتها خطيراً ، وعندما انتهى حديث الرجلين نظرت متسائلة
الى منقذها الساحر الفارع القامة.
اجابها على الفور :
- اخشى ان الأخبار ليست حسنة ، ذلك ان سيارتك بحاجة الى قطعة غيار.
تمتمت :
- ياللتعاسة.
وحاولت ان تبدو ذكية وان قطعة الغيار لا تعني شيئاً لديها، ولكن يبدو ان السيارة لا تستطيع السير من دون ذلك وقالت:
- هل في إمكان الميكانيكي ان يضع القطعة بصورة مستعجلة؟. وبدت عليها اللهفة، لاحظت ان منقذها هذا يبدو انه سأل العامل نفس السؤال إذ انه أجابها
- كان في إمكانه ذلك لو المكان وجد عنده في المخزن نفس القطعة المطلوبة.
لم تعرف ماذا تقول او تفعل وسألته:
- كم من الوقت يحتاج لك


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق